شجاعة العقل والقلب من أجل التغيير

العين هيفاء نجار

 

إن إطلاق جلالة الملك عبد الله الثاني للاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية كان جرس إنذار لمراجعة واقع التعليم في الأردن بعد أن أصابه تراجع كبير، وقد أكدت جلالتها أثناء حفل إطلاق الاستراتيجية هذا التراجع بأرقام صادمة. إزاء ذلك كان لا بد من كل المعنيين أن ينكأوا جراح التعليم في الأردن، ليخرجوا بخطة وطنية تصيب التعليم برمته وليس فقط الوقوف عند ركن من أركانه. لقد انصب الاهتمام حول المناهج فقط، وتناسينا أن المنهاج يحتاج إلى بيئة مدرسية وإلى معلمين شغوفين مؤمنين بدورهم، وإلى مديرين مؤهلين فاعلين لا يألون جهداً في دعم المعلم والطالب، وتوفير كل ما يلزمهما من أجل التغيير والإبداع.

 

وبالرغم من ذلك الاهتمام الكبير بتعديل المناهج وانتظار ما ستسفر عنه توصيات لجنة دراسة المناهج إلا أنني أقول بكل شفافية إن التعديلات جاءت مبتسرة، اكتفت بإلغاء نص هناك واستبدال آخر هنا، وبدلاً من أن توجه كل الجهود للارتقاء بالتعليم أصبح هناك تراشق حول اسم لميس أو فاطمة، الأمر الذي أقحمنا في لجة جديدة. إن التعليم أكبر من ذلك بكثير، وتعديل المناهج أشمل وأعمق من ذلك بكثير.

 

إذ لم تكن هناك تعديلات جوهرية تصيب عمق المناهج، وتشجع على التحليل والنقد والمراجعة الشاملة. علينا أن نكون منحازين لمنهاج يُعمل عقل الطالب ولا يعتبره كشكولاً نحشوه بما أردنا، لا حياد مع منهاج يستبعد العقل والعاطفة والقيم والروح، وهذه مسؤولية جماعية تحكمها ضمائرنا ومصداقيتنا ومستقبل وطن وجيل بأكمله.

 

لا أحد ينكر أهمية المناهج في العملية التعليمية، ولكن المناهج جزء من كلٍّ متكامل، والمعلمون على رأس هذا الكل، فلا بد من تأهيل المعلمين، وإنشاء كليات تدريب لهم، فلا يعقل أن يتخرج الطالب من الجامعة فيدخل غرفة الصف دون أن يتعرض لأي تدريب، أو محاضرات عن أهمية دوره في بناء الوطن، وبما أن عملية التعليم عملية ديناميكية فلا بد أن يكون التدريب مستمراً كي لا يصبح علمنا المستقر جهلاً. وقد بدأنا خطوة أولية هامة في هذا المجال تمثلت في إطلاق جلالة الملكة رانيا العبدالله –حفظها الله- دبلوم إعداد وتأهيل المعلمين قبل الخدمة في أكاديمية الملكة رانيا لتدريب المعلمين في 18 تشرين الأول للعام الحالي.

 

كما أن علينا رفع سوية معيشة المعلمين لكي يتفرغ هذا المعلم لمدرسته وطلابه فيحلّق في سماء الإبداع، ويوفر الفرص لطلابه كي يحلقوا أعلى منه، لا أن ينشغل بكيفية توفير حياة كريمة له ولأفراد أسرته. إن على وزارة التربية والتعليم أن تستقطب النخبة من الخريجين ليكونوا معلمين، أن تبعتث الوزارة الطلبة المتميزين ليدرسوا اللغة العربية والدراسات الاجتماعية والرياضة والموسيقى والفيزياء والكيمياء في الجامعات ليعودوا إلى الغرف الصفية فيكونوا نماذج مضيئة لطلبتهم، يحولون المدرسة إلى حلقات مساجلات ومناظرات، ويخرّجون مشاريع شعراء وكتّاب وفنانين وموسيقيين، ويحولون المدرسة إلى مختبرات ومحترفات ومسارح وملاعب.

 

علينا أن ننقذ المعلم من النظرة الاجتماعية التي لا تعطيه حقه، ونخلصه من القبوع في أدنى السلم الاجتماعي مقابل المهن الأخرى، علينا أن نحتفي بتخريج معلم لديه الشغف بالتعليم، كما كان يفعل العرب القدامى حينما ينبغ في قبيلتهم شاعر، فالمعلم اليوم هو الشاعر والأديب والطبيب والمفكر.

 

إننا أحوج ما نكون اليوم إلى المعلم الجريء المؤمن بأنه يحمل رسالة سامية، لأن جيلاً بأكمله سيتخرج على يديه. المعلم الحداثي التقدمي التنويري الخلاق، الذي يساعد طلابه على البحث عن الحقيقة. المعلم المنفتح الذي يخلق حالات من الجدال والمناظرة مع طلابه، من خلال مقالة في صحيفة أو من خلال ورقة أطلقها جلالة الملك حول المواطنة الحقة والدولة المدنية، أو من خلال قصيدة شعر أو قصة قصيرة من خارج المنهاج، أو من خلال دروس الثورة العربية.

 

وبالإضافة إلى كل ما سبق علينا توفير بيئة مدرسية ملائمة للطلبة والمعلمين، توفر لهم الحد الأدنى على الأقل لينطلقوا في سماء الإبداع، يجب أن تكون المدرسة جاذبة للطلبة لا طاردة لهم. مدرسة فيها المعلم المنفتح، والمدير الحاني الموجه، والمرشد المنغمس مع طلابه يسمع لهم ويحاورهم وينصحهم. وهنا يأتي دور الشراكة مع مؤسسات المجتمع المدني لكي يدعموا وزارة التربية والتعليم والمبادرات التي تهدف إلى تحسين العملية التعليمية وتطويرها.

 

التعليم بوصلة المجتمعات للمضي إلى المستقبل بثقة وأمل، وهو الأداة والوسيلة التي من خلالها نربي جيلاً متسائلاً مفكراً محركاً للتغيير. لذا علينا جميعاً أن نكون نقديين بموضوعية لعملية التعليم برمتها، وفي الوقت نفسه أن نبحث دائماً عن البدائل، ونحوّل الصعوبات إلى تحديات. فالتعليم الفرح، والمناهج التي تحاكي العصر ومتطلباته وتستفز العقل، والقادة الميدانيون المستنيرون يخلق إنساناً محباً منتمياً متطهراً من كل أشكال العداء، ويجعل الحياة أرقى وأجمل وأبهى.

 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.