لن نتعب من الأمل

هيفاء يوسف نجار

هل نسير إلى أمام ونحن تائهون؟ لماذا ينتشر الموت في بلادنا كما ينتشر الفطر؟ وتنفجر آلاف الأقحوانات في باطن الأرض في ساعة واحدة؟ هل ضاقت الأرض بما رحبت؟ أم ضاع الدليل؟ كان بعض البشر الذين يوصفون بـالتوحُّش يعلِّقون على الجدران أمعاء الغزلان التي يصطادونها، طلباً لعفو الطبيعة ورحمتها وبركاتها الكونيّة. ولكن اليوم ونحن في القرن الحادي والعشرين يعلّق بعض البشر الذين ينتمون إلى الحضارة الحديثة، رؤوس البشر على الأعمدة وفي الشوارع!

 

إن هذه الأرض تتسع لنا جميعاً، وهذا الكون قادر على استيعاب الجميع بأفكارهم المختلفة وأطيافهم المتعددة، ولذا فإنه لا يجوز لنا أن نسمح بوجود بعض الطفيليات التي تتغذى على الألم والدم وتهميش الآخر، وتعرض وحدة الثقافة العربية إلى تفتيت أو حتى إلى وأد، وتحاول أن تجرنا إلى الوراء، في الوقت الذي يخطو فيه العالم خطوات واسعة نحو المدنية واحترام الإنسان وإنسانيته، وترسيخ مبادئ الحوار البناء وسيلةً لمعالجة كل القضايا والمشكلات في الحاضر والمستقبل.

 

لسنا غرباء عن هذه الأرض وعن هذه الثقافة. الغرباء هم الذين يشيرون إلى غربتنا بأصابع الاتهام، لأنهم غرباء عن تاريخهم وعن معاني وجودهم. إننا ملح هذه الأرض وأديمها، ولذا فمن حقنا أن نعيش بسلام، وندافع عن وجودنا، ونحلم كما نشاء، ونكون كما نحب أن نكون. ومن حقنا أن نختلف أو نتفق، ولكن ليس من حق أحد مصادرة الرأي الآخر، وحل الخلاف بالقتل والتشويه.

 

الدم يفسد أي فكر، يحوّله إلى نوع من الهذيان، إنّه أسوأ شاهد للحقيقة. فثقافة القتل والتكفير تُحوّل الحياة إلى مجزرة، ويُحوّل الفكر إلى آلة لقتل العقل، ويُغيّر سياق الحياة: من التعقل إلى التسلح، ومن الحوار إلى القتال، ومن التواصل إنسانياً إلى القطع وحشياً، ومن الانتماء للبشر إلى الانتماء للأشياء. ويصبح هذا الفكر يدور حول النفي، والنبذ، والإقصاء، والتمييز. إن هذا الفكر ينتج ثقافة الماقبل منقوعة في خلّ العنف. لا مكان فيها للذوق، والحس، والجمال، والمعرفة والعلم.

 

إن هذه المرحلة الحساسة في تاريخنا العربي تستلزم منا جميعاً أن نٌعمل العقل، ونعيد له هيبته، كما أننا بأمس الحاجة إلى النّضال الأفضل والأعمق إنسانيّةً، والأكثر فعاليّةً، وهو الاحتفاء بالإنسان والحياة والأدب والفن، والتنوير والدعوة إلى الحكمة واعتبار الآخر وجهاً من وجوه الذات يكملها وليس نقيضاً لها. ومن هنا أدعو كل من يحب الحياة لنفسه ولغيره أن يدافع عن الإنسان وحقه في العيش، ونستصرخ كل ذي نزعة إنسانية أن يمزق حصانة كل من يختفي وراء أية أيديولوجية تدعو إلى الإقصاء والتمييز، ونلوذ بالأدب وكل ذي قلم مستنير وبالمنابر الإعلامية والثقافية أن تقف صفاً واحداً ضد قوى الظلام، لنعيش عصرنا بجدارة وكبرياء.  

 

علينا أن نستقطب نقاط الضوء مهما كانت شحيحة، وعلينا أن نجمع فتات الأمل ونبحث عن زهرة خضراء وسط هذا الركام، فنشحذ همتنا وإرادتنا، لنحارب كل أشكال التعصب الذي يزيد المشهد قتامة وسوداوية، ولهذا على المبدعين أن يحتفوا بالحياة كاملةً، ويغنوا للفرح، ويفكروا بوسائل إبداعية جديدة لمواجهة التطرف، فيوظفوا الصورة والملصق والقصيدة والأغنية والوثيقة، ليلجموا جماح التطرف. وعلينا نحن في مدارسنا ومؤسساتنا أن نعقد جلسات النقاش والجدل ونحتفي بالاختلاف، ونشجع أبناءنا وبناتنا على الحوار وسيلةً لحل المشاكل بعيداً عن العنف بأي شكل من أشكاله. والأهم من ذلك علينا جميعاً أن نفضح كل فكر تضليلي تمويهي، فنحن إن راقبنا الحاضر وفرضنا عليه الصمت، فإننا نقطع الأمل بالمستقبل، فالصمت في هذه المرحلة، التي تعرّف الحياة بنقيضها الموت، جريمة كبيرة بحق الإنسانية جمعاء.

 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.