اللغة العربية للصف السادس.. ليس كتابا في اللغة.. ولا أي كتاب!

طالبات في إحدى مدارس صويلح خلال إحدى الحصص التدريسية- (تصوير: ساهر قدارة)

د. ذوقان عبيدات

كتاب اللغة العربية للصف السادس، هذا الكتاب الجديد الذي تصدره وزارة التربية، دلالة على قدرتها التطويرية، واهتمامها بالتحديث، وباقتصاد المعرفة، وبحاجات طلابها، وبما يهدف إلى تنمية مادة الاستماع، ومهارة التحدث، والقراءة والكتابة، ومختارات من لغتنا الجميلة. فأي من هذه الأهداف تحقق؟

هذا الكتاب، وضع بإشراف الأستاذ الدكتور خالد الكركي، وعدد ممن يحملون لقب الأستاذ الدكتور. وكالعادة سنناقش الكتاب، من حيث المهارات التي سعى لها، ومحتوى المهارات، وموقف الكتاب من حقوق الإنسان وقضايا الجندر.
1 - بدأ الكتاب بنص ديني، يستمع له الطلاب، وفي نهاية النص، يسأل الكتاب أسئلة ساذجة (ليس فيها تفكير)، مثل 
- هل الرسول "ص" يحلب شاته بنفسه؟
- هل كان للرسول صلى الله عليه وسلم مكان مخصص للجلوس؟
- لماذا لا نستطيع تمييز الرسول من بين أصحابه؟ (ص 6)
وفي مهارة التحدث، يطلب من الطلاب التحدث عن تربية الأبناء ودور الأمهات، مستعينين بقوله تعالى (...) - ص6. 
فالاستماع نص ديني، والتحدث بمضمون ديني!! إذن ليس الهدف لغوياً على الإطلاق، بل تعليم مضمون معين. وهذا ليس عيباً، بل ضروري، لكن ليس في كتاب اللغة العربية!

2 - وفي درس القراءة، قدم المؤلفون آيات من سورة لقمان، وطلبوا من الطلاب تلاوة الآيات، مراعين مواطن المد.
هل هذه مهارة لغوية؟ لدى الطلبة كتب كاملة عن التلاوة والتجويد، فماذا نقول لهم: اتل ما تحته خط، دون توقف (ص 8).
ومن الطبيعي أن تكون التمرينات على هكذا مضمون كلها دينية. وهكذا في باب الفهم والاستيعاب.
وتضمنت التراكيب والأساليب اللغوية (ص 10) جملاً لا معنى لها، ولا تعطي قيمة، ولا تناقش مضموناً، ولا تثير قضية ولا تبشر بموقف، مثل: "أنا طالب مجتهد، للمجتهد نصيب (هكذا دون أي إضافة)، هدى طالبة متفوقة، السمك أنواع، الكتاب جديد".
و"السماء صافية، العلم مفيد، يقطع النجار الخشب، رأيت الطائر في الحديقة" (ص 11).
هذه الجمل فرص هائلة، لو استغلت في مضامين حقوق الانسان والكرامة والوطن والجمال.. إلخ.

3 - وفي درس التعبير (ص 13)، اكتب فقرتين مسترشداً بما يأتي:
- وضع الكتاب سبع جمل منها خمس دينية، مثل: الإيمان بالله تعالى، المحافظة على الصلوات، الأمر بالمعروف، طاعة الوالدين ما لم يأمراك بشرك!.
لو يرشدني أحد، لماذا سيأمر والدان ابنهما في الصف السادس بالشرك؟
هل نريد ان ننقل أبناءنا خارج الزمن، هذا ما حاوله الكتاب، حين اختار جميع نصوص الكتاب تراثية، وهي:
- مجمع الأمثال للميداني ص 14 ، - الخليفة يتحدث إلى وفود ص 15، - فصاحة صبية، للأصمعي، أم جعفر البرمكي ص 17، - أجود قطعة من اللحم ص 26، - التعاون على الخير ص 27، - الفرج بعد الشدة (حاكم يحبس وزيره ليسمع ما سيقول) ص29 ، - من شيم الكرام (من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم) ص 38. - العفو عند المقدرة (قصة خيالية لشخص يبحث عن الثأر) ص 40.
وأيضا: - فطنة القاضي: المحاسن والمساوئ للبيهقي ص 45، - قصيدة للقاضي الأرجاني من كتاب يتيمة الدهر للثعالبي ص 7، - قصيدة المقنع الكندي ص 49، جبل القلعة ص 50، -عمان في الأربعينات (ص 54) وماذا تعني عمان الحالية عند أبناء المناطق البعيدة؟
وهكذا يستمر الكتاب، وكأن الأدب العربي القديم والحديث، خلا من مواقف فنية ورياضية وجمالية وفكرية ونقدية وفكاهية!! ماذا نريد لطلابنا؟ هل نريد فتح عقولهم أم عكس ذلك؟

4 - وفي دروس النشاط، وهي دروس متعة يقوم الطالب خلالها بالبحث والاكتشاف، والتفكير والتأمل، أورد الكتاب سبعة انشطة، سأذكرها كما هي:
1 - النشاط الأول (ص 26): عد إلى كتاب رياض الصالحين، أو أحد الكتب التي تناولت الأحاديث النبوية الشريفة...
2 - النشاط الثاني (ص 37): ابحث عن آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة... الخ.
3 - النشاط الثالث (ص 49): عد إلى سورة المرسلات واستخرج منها ست كلمات.... الخ.
4 - النشاط الرابع (ص 59): ابحث عن صور للمواقع الأثرية... الخ.
5 - النشاط الخامس (ص 69) عد إلى سورة الكهف. وتدبر قصة سيدنا موسى... الخ.
6 - النشاط السادس (ص 79) عد إلى سورة النحل في القرآن الكريم... الخ.
7 - النشاط السابق (ص 87) عد إلى القرآن الكريم وابحث في سورة الحجرات... الخ.
هذه أنشطة الكتاب، وهي أنشطة تشعرك انك باحث في كليات الشريعة، وليس طالب لغة. ليس لهذه الأنشطة أي هدف لغوي: لا استماعا ولا تعبيرا ولا قراءة و لا كتابة ولا... وإلا ما الهدف اللغوي من هذه الانشطة؟
- ابحث في آية كريمة تنهى عن الغيبة (ص 87).
- ابحث عن آية كريمة تشير أن مساكن النحل (ص79)، لماذا يريد الطالب آية عن مساكن النحل؟ وما الغاية اللغوية؟
- تدبر قصة سيدنا موسى في سورة الكهف؟ (ص69) ما المهارة اللغوية المطلوبة؟
- استخراج ست كلمات جمع مؤنث سالم من سورة المرسلات (ص49). لاحظ هذا الربط، ربما خشي المؤلفون ان يحضر الطلاب من حياتهم كلمات جمع مؤنث سالم مثل: جميلات، جريئات، صادقات، محبات، فنانات، فألزمهم المؤلفون بكلمات محددة.
- ابحث عن آيات قرآنية وأحاديث شريفة تدعو إلى مساعدة الآخرين، وتفريج الكرب عنهم (ص37). ما الغاية اللغوية؟ ما المهارات اللغوية؟
يبدو في تفسيري، أن المؤلفين نسوا أنهم يكتبون في اللغة العربية، واعتقدوا أنهم رجال دعوة، وآمرون بالمعروف وناهون عن منكر، فحشدوا لنا هذا الحشد؟
كيف يمكن أن تكون جميع الأنشطة دينية في كتاب غير ديني؟
ألا يحب بعض الطلاب النشاط الرياضي؟ الجمالي؟ الفني؟ الاجتماعي؟ الحركي؟ البيتي؟ البصري؟ المنطقي؟ ماذا يريد المؤلفون؟ بل ماذا تريد وزارة التربية؟
مرة أخرى، إن نقد الأنشطة الدينية، ليس لذاتها، بل لأنها ليست لغوية، وليست وحدها ما يهم المجتمع والطالب!!

5 - الآخر في كتاب اللغة
تم إلغاء الآخر كليا من الكتاب. واكتفى الكتاب بالتحدث عن الذات التراثية القديمة، ولم يذكر أي ذات أخرى، حتى أنه ألغى الذات الأردنية المعاصرة، وألغى اي تنوع، واكتفى بالأنا المثقلة بالتراث.
لم يذكر شيئا للأديب الناعوري، والمفكر زائد بن روكس العزيزي، أو المفكر الفيلسوف أديب عباسي، أو مدرسة الراهبات أو سليمان عويس.
ولولا ذكر حيدر محمود (ص68)، لقلنا إن حياة المؤلفين وحياة المجتمع الأردني، انتهت قبل ألف عام على الأقل. فشكرا حيدر محمود، فرضت نفسك عليهم، وبرأتهم من تهمة الموت قبل ألف عام.
6- ومرة أخرى، فإن إدماج العبارات الدينية في الكتاب دون توظيفها لغويا، أو محاولة توظيفها بالقوة وبصعوبة، يفقدها معناها اللغوي، ولا يبرز مضمونها الديني. والكتاب ليس متحيزا للأفكار الدينية المقدسة فحسب، لكنه لا يعترف بغيرها. وإلا ما معنى أن يقدم الكتاب نصا قرآنيا، من خمس عشر كلمة، على الأقل، ليعرف الطالب ان آخر كلمة هي "عامين" المثنى المطلوب إلقاء القبض عليه.
إن المواقف التي يطلب من الطالب التحدث فيها، من خلال الرجوع إلى نصوص دينية مقدسة، تملأ الكتاب طولا وعرضا، والمؤلفون لا يرون عيبا في ذلك، وأنا كذلك لا أرى عيبا، فهي نصوص مقدسة، وذات مضمون إخلاقي، لكن ما لا يراه المؤلفون، أن الكتابة إبداعية، والحديث الحر عمل إبداعي، وإن تقييد الطالب ووضعه في إطار محدد يقتل الإبداع، ويجعل منه آلة، تنقل وتتحدث، ولا تقدم شيئا جديدا.
إن الكتابة الإبداعية والحديث الإبداعي تحتاجان مساحات وفضاءات لا يؤمن بها مؤلفو الكتاب، ولذلك يريدون إنتاج شخصية جديدة، من الماضي، تعيد قديما في زجاجة قديمة، لأنهم لا يغيرون، لا الشكل ولا المضمون.
وبحثا في سيكولوجية المؤلف، هل يشعر المؤلف بالسعادة، حين يفرض أفكاره على الآخرين؟ ولماذا يفعل ذلك؟ هل هذا ما تريده الوزارة؟ قد يكون الجواب نعم أو لا.
هل هذا ما يريده المجتمع؟ قد يكون الجواب نعم أو لا.
ولكن هل هذا ما يريده الأستاذ الدكتور خالد الكركي، المشرف على الكتاب؟ الجواب هو لا. إذن ما هذا الإشراف؟ ولماذا نغطي كتاب مؤلفين، يصرون على عدم احترام عقولنا؟
 ملاحظة: لم نتحدث عن مهارات التفكير في هذا الكتاب، لأنها ليست موجودة، ولا صلة لها بالكتاب. فالكتاب يقاطع التفكير، كما يقاطع الحضارة الإنسانية والعلم الحديث.
وأخيرا، إذا كانت وزارة التربية لا تسمع، أو أنها لا تقرأ، وإذا بقيت الوزارة مصرّة على تجاهل ما يقدم لها من دراسات وأفكار، فمن المسؤول؟
هل هناك جهة أخرى في الوطن، يهمها أمر المناهج والكتب المدرسية؟ نحن لم نقدم آراء شخصية! ولم نطالب بإثبات رؤية ايديولوجية، وأبعاد أخرى!!
هذا الكتاب ليس لغة عربية! انه يدرس أمورا، لا علاقة لها باللغة، فمن المسؤول؟
الوزارة منغمسة في التطوير، أو التراجع عما كان بعضه صحيح، فمن يقول للوزارة ومؤلفيها: كفى؟ هل هو المجتمع؟ قادة المجتمع؟ الأهالي؟ من؟ وهل الحرية في الأردن، وصلت إلى درجة أن يفعل شخص ما، كل ما يريد؟ أو تعمل وزارة ما وفق اتجاه معين؟ ودون مراجعة؟
هل يمكن أن تكون الأنشطة كلها دينية في كتاب لغة عربية؟ 
وهل يمكن أن لا يتحدث طالب أو يكتب إلا وفق إطار ديني؟
لماذا لا نترك ذلك لكتب التربية الإسلامية وحصصها؟

نشر هذا المقال في صحيفة الغد عدد 21/9/2015

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.