عاطلون عن العمل يرفضون الكثير من الوظائف جراء ارتفاع تكاليف المواصلات دراسة: %23 من الرواتب للمواصلات

رانيا الصرايرة

فضلت سوسن دعوس البقاء في عملها، كمربية أطفال في حضانة قريبة من منزلها في منطقة القويسمة بعمان، على العمل في حضانة أخرى في عبدون، على الرغم من أن الراتب المعروض عليها في الأخرى، يزيد بنحو 80 دينارا عن راتبها الحالي، فيما رفض محمود ملكاوي، العاطل عن العمل، أربع فرص وظيفية، برواتب تتراوح ما بين (350) الى (400) دينار، بسبب معضلة المواصلات. وبحسبة بسيطة، قالت دعوس إن الزيادة المالية التي ستحصل عليها في حال انتقالها للعمل الى عبدون ستدفعها بدل مواصلات، فضلا عن الساعات الطويلة التي ستقضيها بانتظار وسيلة نقل.

والفكرة ذاتها تنطبق على ملكاوي، الذي بات وفي ضوء تجارب سابقة له في العمل، يفضل البقاء في البيت على العمل بأجر متدن، يدفع نصفه بدل مواصلات، مؤكدا أنه يقبل العمل براتب (300) دينار فقط في حال كانت المواصلات مؤمنة.
وتمثل سوسن ومحمود، شريحة كبيرة من الشباب الأردني، الذين يواجهون تحديات كبيرة باستخدام المواصلات، أهمها عدم توفرها وتأخرها، فضلا عن التكلفة المادية لاستخدامها.

وكان هذا الأمر محط بحث للمنظمة الدولية للشباب، التي اصدرت دراسة مؤخرا، أظهرت أن "78 % من الشباب و80 % من أولياء الأمور يعتبرون المواصلات عائقا أمام عمل أبنائهم"، في حين قال "46 % من الموظفين انهم يحتاجون إلى أكثر من وسيلتي مواصلات للوصول إلى أماكن عملهم"، فيما قدر اغلبهم أنهم ينفقون نحو 23 % من قيمة رواتبهم على المواصلات.

وقالت الدراسة إن "أكثر من ثلاثة أرباع المبحوثين أكدوا ان المواصلات تؤثر على قدرتهم على إيجاد فرص عمل والمحافظة على وظائفهم".
ومن ضمن المشكلات التي أظهرتها الدراسة: "الخدمة غير المنتظمة، وعدم موثوقية وسائل النقل، والتغطية الجغرافية المحدودة، وتكلفة المواصلات المرتفعة".

ووثقت الدراسة، التي تم تنفيذها في أربع محافظات على مدى ثمانية أشهر، أثر خدمات النقل العام على قدرة الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 إلى 24 عاما على الاستفادة من فرص التدريب والتوظيف والعمل التطوعي المتاحة.
وقدمت عددا من التوصيات والحلول المقترحة لتحسين الخدمة، بما في ذلك تمديد ساعات العمل وتوسعة مناطق التغطية من قبل شركات النقل، وتوفير خدمة النقل المجاني للموظفين من قبل أرباب العمل، وأن تعطي الحكومة خصومات للذين يستخدمون المواصلات بشكل يومي.

مديرة مكتب التعليم الأساسي والشباب في الوكالة الأميركية للتنمية الدولية أليسون قالت إن الدراسة تسلط الضوء على التحديات في وسائل النقل العام الموثوقة، والتي يمكن الاعتماد عليها، مشيرة إلى أن هذا الأمر في غاية الأهمية بالنسبة للشباب الأردنيين.

بدوره، اكد أمين عام وزارة العمل حمادة أبو نجمة، أن الحملة الوطنية للتشغيل التي تنفذها الوزارة تنبهت لهذه القضية، لذلك تحاول تأمين فرص العمل على قاعدة احتساب بدل المواصلات للمشتغلين.
وأضاف أبو نجمة لـ"الغد" ان نسبة كبيرة من الوظائف التي تم إشغالها ضمن هذه الحملة نصت على "بدل المواصلات خاصة للملتحقين بأعمالهم من المحافظات البعيدة عن مواقع الاستثمارات".
ولفت الى أن المواصلات كانت "مؤمنة في معظم معارض الوزارة التشغيلية أمام الباحثين والمتقدمين للوظائف، لمعرفة الوزارة الأكيدة بالصعوبات التي يعاني منها الباحث عن العمل في تنقله سعيا للحصول على فرصة العمل المناسبة".
واشار الى أن حل الإشكاليات المفترضة "لا يأتي عبر إجراءات عابرة، بل لا بد من وضع اليد على الجرح، وإيجاد الحلول الجذرية من خلال تكاتف الجهود بين كافة القطاعات المعنية لتوسيع نطاق شبكة النقل إلى مساحات مكانية أوسع، وفي أوقات محددة".

وأشار إلى تدني مستوى الخدمة بشكل عام من حيث عدم توفر وسائل النقل المناسبة في أغلب الأحيان، وعدم التزامها بمواعيد دقيقة في الوصول إلى أماكن تجمع الركاب، وتباعد فترات التردد في تقديم الخدمة، وتدني مستوى خدمات البنية التحتية المساندة لخدمات النقل العام، والشكوى من تعرض بعض مستخدميها للمضايقات.

واعتبر مدير مكتب التعليم والشباب بالوكالة في الوكالة الأميركية لي كوهين، أن "قضية النقل واحدة وتؤثر على الجميع، ولكن لا أحد يشعر بالعبء الناجم عن عدم كفاءة نظام المواصلات أكثر من الشباب الأقل حظا وخاصة النساء".
وقال: "إذا كنا جادين حقا في سعينا لتوفير فرص أكثر للجيل القادم من القادة الأردنيين، علينا أن نحسّن الوصول إلى وسائل المواصلات بالنسبة للشباب".

وأشارت الدراسة الى أن تكلفة النقل التي يتحمّلها الموظفون في كافة مناطق الدراسة وصلت في معدلها إلى 1.9 دينار بصورة يومية.

وعند مقارنة هذه التكلفة بمعدل الراتب الشهري، الذي بلغ في متوسطه (202) دينار وعدد ساعات العمل التي وصلت الى (9)، يتبين أن تكلفة النقل إلى الراتب الشهري في مناطق الدراسة بلغت 46 % في منطقة الشونة الجنوبية، فيما سجلت سحاب النسبة الأقل 13 %، أما المعدل العام للمناطق الأربع، فبلغ 23 % من قيمة الراتب الشهري.

وبينت الدراسة أن معدّل زمن الرحلة، ذهابا وإيابا، يصل إلى 115 دقيقة، وأن المدة الزمنية المستغرقة للوصول إلى محطة انطلاق واسطة النقل من مكان السكن تتراوح بين 13 و22 دقيقة، أما المدة المستَغرقة للوصول لمحطة انطلاق واسطة النقل من مكان العمل، فتتراوح بين 12 إلى 22 دقيقة، والتي تعتبر في المتوسط عالية، خصوصا عند إضافة ساعات العمل الثماني، ليصبح عدد الساعات المخصصة للعمل بشكل عام 12 في اليوم بالمتوسط.

واختلفت وسائل النقل التي يستخدمها العاملون، حيث تبين أن 6 % منهم يستخدمون سيارة التاكسي (الأصفر)، و5 % "السرفيس"، و86 % الحافلة أو الباص المتوسط.

وأوضحت أن 29 % من أصحاب العمل الذين استهدفتهم الدراسة في قطاعات التجارة والمطاعم والفنادق والصناعات التحويلية يقومون بتأمين وسائط نقل للعاملين في منشآتهم، وأن 37 % من هؤلاء (ممّا نسبته 29 %) يقومون بتقاضي بدل تأمين نقل من خريجي البرنامج العاملين لديهم.

ونتيجة لعدم انتظام تردد وسائل النقل وطول المدة الزمنية للانتظار، تزيد مدة تأخير الموظفين، الذين يستخدمون وسائط النقل عن عملهم صباحا في المؤسسات التي يعملون فيها، وتبعا لتقديرات أصحاب العمل من أفراد العينة في المفرق والشونة الجنوبية وسحاب والرصيفة، فإن 48 % من أصحاب العمل يقدّرون أن العاملين يصلون لأماكن العمل بتأخير ما بين 15 إلى 45 دقيقة.

وأفاد 69 % منهم أن المشكلات المتصلة بوسائط النقل هي سبب تأخر العاملين، مع ما يعنيه ذلك من مردود سلبي على انتظام العمل والإنتاجية، فيما يرى 50 % منهم أن وسائط النقل تُعدُّ سببا رئيسيا في ترك العاملين للعمل، في حين يرى 69 % منهم أن وسائط النقل "غير جاذبة للركاب" وهذا ما أكده العاملون حول تأثير مشكلات النقل على تركهم العمل.

وكان تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان للعام 2014 اشار إلى "ضرورة توفير خدمة مواصلات عامة تصل لجميع الأماكن، وتحسين نوعية النقل بما يخدم مصالح المواطنين، خاصة فيما يتعلق بالالتزام بالمواقف والمواعيد المحددة، وكذلك التزام جميع محطات الخطوط وتوفير نظام موحد للدفع الإلكتروني". 

من جهته، اكد المنسق الحكومي لحقوق الإنسان في رئاسة الوزراء باسل الطراونة، في تصريحات صحفية سابقة، أن وزارة النقل والدوائر التابعة لها قامت بمجموعة إجراءات ومتابعات لتقديم خدمات أفضل في مجال النقل، حيث تم وضع نظام للتحقيق في حوادث النقل بجميع أنماطها لتوفير قطاع نقل آمن. 

نشر هذا المقال في صحيفة الغد بتاريخ 20/9/2015

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.