حول سوسيولوجيا التطرف والإرهاب

حسن أبو هنية - خبير في الجماعات الإسلامية

 

شكلت ظاهرة التطرف والإرهاب منذ نهاية الحرب الباردة مجالا بحثيا ملتبسا اختلطت فيه الدوافع المعرفية الإبستمولوجية بالدوافع الاستراتيجية الإيديولوجية، فثمة جملة من الأسباب والشروط والظروف الموضوعية المحلية والإقليمية والدولية ساهمت بتنامي الظاهرة في العالم عموما والعالم العربي خصوصا، فعلى مدى عقود شكلت دراسة الجماعات المتطرفة والإرهابية حقلا من البلبلة والاضطراب والتشوش حجبت محاولة فهم دوافع المتطرفين والإرهابيين، ومحاولة السعي للاقتراب من الأسباب والشروط والظروف الموضوعية السياسية والاقتصادية والاجتماعية لظاهرة التطرف العنيف واستكانت معظم الكتابات إلى مقاربات إيديولوجية استشراقية وثقافوية مختزلة.

 

إذا كانت معظم الدراسات والأبحاث في حقل التطرف والإرهاب تتلبس بالمقاربات الإيديولوجية والأثر الاستشراقي على الصعيد العالمي، فإن إشكالية دراسة الظاهرة تصبح مضاعفة في العالم العربي حيث تتكاثر الكتب والدراسات الانطباعية المؤدلجة، دون فحص هشاشة مقاربتها النظرية وحدودها التفسيرية، ومع ذلك فثمة بروز لتيار جديد من الباحثين الجادين في العالم يناهضون الأطروحات الثقافوية والاستشراقية في تفهم منابع ودوافع التطرف والإرهاب، بينما لا يزال معظم من يتناول الظاهرة في العالم العربي وأكثرهم من الصحفيين وقلة من الباحثين يرقدون على سرير الاستشراق، إذ لا نظفر بدراسات جادة تستند إلى مقاربة متماسكة ومنهجية علمية رصينة سوى في حالات نادرة، ومن هذه الدراسات الكتاب الذي صدر مؤخرا عن مركز الدراسات الاستراتيجية بعنوان «سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن: دراسة ميدانية وتحليلية» للصديقين الدكتور محمد أبو رمان والدكتور موسى شتيوي.

 

يتحدى كتاب «سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن» الأطروحات الانطباعية الإيديولوجية الثقافوية السائدة ونظريات المؤامرة، من خلال جهد بحثي غير مسبوق في الأردن والعالم العربي في تتبع الدوافع المركبة وخريطة الانتشار، فقد تناول الكتاب نتائج دراسة نظرية وميدانية شملت بيانات لمئات الناشطين في التيار السلفي الجهادي في الأردن، وشملت ما يقرب من 760 جهادياً، منهم قرابة 190 قتلوا في سوريا والعراق، و11 دراسة لحالات معمّقة، منذ العام 2010 إلى بداية العام الحالي، وقد جاء ثمرة لجهود مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، وتعاون الدكتور محمد أبو رمان وهو أحد أبرز الباحثين في العالم العربي في حقل دراسات حركات الإسلام السياسي والجهادي، والدكتور موسى شتيوي مدير المركز وأحد أبرز الاختصاصيين الاجتماعيين في الأردن.

 

يتضمن كتاب «سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن» عدة فصول تناولت التطور التاريخي وأجيال السلفية الجهادية في الأردن، ودراسة وتحليل البيانات والمعلومات التي تم جمعها عن أبناء هذا التيار، من حيث العمر، والمحافظة، والتعليم والعمل والخصائص الاجتماعية المختلفة، ثم دراسة لحالات مخصوصة عديدة، وصولا إلى خاتمة وخلاصات وتوصيات، وقد أكد الكتاب على جملة من النتائج الهامة تتعلق بخريطة الانتشار، إذ تمثل «محافظة الزرقاء، وبالأخص مدينة الرصيفة، المركز الأكبر لنفوذ التيار وحضوره، ويشير التحليل الكمّي إلى أنّ «40 % من الحالات المدروسة هي من محافظة الزرقاء، و17.4 % من محافظة إربد، و13 % من محافظة البلقاء، و12 % من محافظة العاصمة عمّان».

 

في سياق التعرف على السمات الاجتماعية، يشير الكتاب إلى توافر «ثلاثة أجيال من الجهاديين» في الأردن، فبحسب أبو رمان وشتيوي «إذا افترضنا أنّ العمر المثالي للانخراط بهذا الفكر هو العشرينيات، فإنّنا سنجد تناسباً بين الأجيال الثلاثة الجهادية في الأردن وبين متغيّر العمر، فالجيل الأول الذي شارك في القتال أو تأثر بساحة أفغانستان وكاريزما الشيخ عبدالله عزام خلال عقد الثمانينيات، ثم عاد مع بداية عقد التسعينيات، من بقي منه جهادياً يفترض أنّه اليوم في عقد الأربعينيات أو الخمسينيات»، أما الجيل الثاني، فقد ظهر في مرحلة لاحقة، مع أحداث سبتمبر 2001 واحتلال العراق 2003، ممن قاتلوا في العراق مع تنظيم الزرقاوي أو في أماكن أخرى، وبرز الجيل الثالث خلال الأعوام الستة الأخيرة، وبصورة خاصة مع أحداث سورية والعراق نهاية 2011».

 

يؤكد أبو رمان واشتيوي في كتابهما عبر دراسة رصينة وصبورة تستند إلى قاعدة معلومات وبيانات واسعة، على المستوى المركب المعقد لظاهرة التطرف الإرهاب، ويناهض الكتاب الأطرحات الأحادية السائدة في تفسير الظاهرة، وهي تتطابق مع معظم الدراسات العالمية المرموقة التي تناهض الأطرحات المؤدلجة المنمطة للظاهرة على صعيد دلالات العمر والتعليم والعمل وغيرها، إذ يؤكد تحليل بيانات الكتاب أنّ «غالبية أبناء تيار السلفية الجهادية في الأردن هم من جيل الشباب، بخاصة العشرينيات، وإن كانت هنالك أعمار أخرى، مثل الأحداث، ويشير التحليل الكمّي إلى أنّ 77 % دون الثلاثين»، وفي مجال التعليم يلاحظ الكتاب «أنّ هنالك ارتفاعا ملموسا خلال الفترة الأخيرة، في نسبة المتعلّمين في هذا التيار، إذ وصلت إلى 21.6% من البكالوريوس وطلاب الجامعات، و1.8% من الدراسات العليا (ماجستير، وحاصلون على شهادات الدكتوراه)، وهي نسبة مرتفعة، مقارنةً بالصورة النمطية التي كانت تربط قبول هذا الفكر بمستوى متدنٍ من التعليم والثقافة»، وعلى صعيد المقاربة الطبقية التقليدية ومجل العمل، توصل الباحثان إلى أن ثمة «ارتفاع في نسبة العاملين مقارنة بالصورة النمطية التي تربطهم بالبطالة، إذ تصل نسبة البطالة إلى 27.6 %، فيما الآخرون يعملون، وذلك لا يعني بالضرورة التقليل من أهمية البطالة كأحد المداخل في قراءة الظاهرة، فهذه النسبة التي تقترب من الثلث تعني أنّ البطالة قد تكون عاملاً مؤثّراً».

 

.

 

وأضاف: «من ضمن نتائج دراسة الحالات نجد تأثيراً مهماً ورئيساً لشبكة الأصدقاء، سواء كانوا في الجامعة أو الحيّ أو الجامع أو حتى النادي، ولدور عامل القرابة أيضاً تأثير ملحوظ، لم يعد الموضوع ضبط نشاطات هذه التيارات والأفكار في المساجد، بل أصبح الحيّ والنادي والمنازل والجامعة والعمل، كلّها أماكن متوقعة لعملية التأثير».

 

أحد المؤشرات الهامة في محال الاستقطاب والتجنيد لكلا الجنسين من الذكور والإناث، تؤكد الدراسة على تفوق أنساق القرابة وشبكات المصاهرة وعلاقات الصداقة في العالم الواقعي، دون إهمال أهمية التجنيد في العالم الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي، فقد لاحظ الباحثان «تزايد ملحوظ في نسبة انخراط النساء في هذا التيار، وتطوّر هذه المشاركة من مجرد أن تكون زوجة لأحد الأفراد المنتمين لهذا التيار، إلى مشاركة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالتعبير عن الانتماء لهذا التيار والدعوة إليه، وعبر المشاركة في الإعداد اللوجستي للعمليات».

 

لا جدال أن كتاب «سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن» يمثل نقلة في حقل دراسات العنف والتطرف العنيف في الأردن والعالم العربي، ذلك أنه يناهض المقاربات النمطية الشائعة التي سادت خلال حقبة نهاية الحرب الباردة، والتي تقوم على فرضية «تطرف الإسلام» وتضع مسؤولية انتشار العنف على عاتق الثقافة والتراث و»النصوص» الإسلامية، وهي لا تنفي دور الثقافة والنصوص الدينية، لكنها لا تجعلها المحدد الوحيد، كما بيّن ويليام كافانو في كتابه «أسطورة العنف الديني، الأيديولوجيا العلمانية وجذور الصراع الحديث».

 

خلاصة القول أن كتاب «سوسيولوجيا التطرف والإرهاب في الأردن» جهد بحثي رصين يستحق الإشادة والثناء، فهو يستند إلى مقاربة متماسكة وسبر ميداني، يزعزع الأطروحات النمطية لمقاربة ظاهرة التطرف والعنف، ويكشف عن هشاشة النظريات الاستشراقية الثقافوية العلموية والمؤامرتية الشعبوية السائدة، في تعليل أسباب تصاعد موجة التطرف والعنف في المنطقة، ويكشف بطرائق عديدة غير مباشرة، وليست من صلب اهتمامات الكتاب عن أن الأسباب العميقة والجذرية للتطرف والإرهاب مركبة ومعقدة، تستند دور التدخلات الخارجية الدولية في المنطقة، ودعم وإسناد إسرائيل، وغياب أي تسوية وحل للقضية الفلسطينة وانسداد الأفاق السياسية في معظم دول المنطقة، وشيوع الاستبداد وتنامي الصراعات الهوياتية الأمر الذي يتطلب مقاربة أكثر جدية ومعالجة جذرية للأسباب والشروط والظروف الموضوعية العميقة عبر تقديم نموذج ناجح للحكم الرشيد يتوافر على تجديد الثقة بإمكانية التغيير والإصلاح وترسيخ قيم سياسية تستند إلى مبادئ الحرية والعدالة والديمقراطية والتعددية.

نشرت في صحيفة الرأي الأردنية 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.