قلوب مليئة وصناديق فارغة

مثنى حمدان غرايبة

 

صدف أن مررت مؤخراً بأكثر من مكان فيه صناديق تبرّع لمركز الحسين للسرطان، وكانت هذه الصناديق فارغة على غير العادة، ووجدت أن الكثير من الأصدقاء لم يتوقفوا عن التبرّع فحسب، بل باتوا يحفزّون الناس على ذلك كردّة فعل على قرار الحكومة غير المنطقي وغير المبرر بوقف تحويلات مرضى السرطان إلى مركز الحسين، هذا القرار الذي لم يتوقف أثره على حرمان المرضى من حقّهم في تلقي العلاج المناسب فقط، ولكنه أيضاً أساء لصورة الأردن في قلوب أبنائه وخلق لديهم سرطاناً من نوع آخر أتمنّى ألا ينتشر، سرطاناً من اليأس والإحباط والإحساس باللامبالاة تجاه مؤسساتهم ووطنهم.

 

يتساءل الأردنيون، بما أنّهم سيحرمون من العلاج في هذا المركز العظيم الذي تم إنشاؤه بتبرعاتهم، فلماذا إذن يتبرعون له؟ ومن سيتعالج به إن كانوا هم محرومون من هذا العلاج؟! كيف يتم تمويل هذا المركز وما كلفة العلاج المتوسطة فيه مقارنة بكلفة العلاج في مستشفيات القطاع العام؟ هل ميزانية المركز مدققة ومعلنة؟ كم نسبة التبرعات من ميزانية المركز عبر السنوات السابقة؟ ما هي الوسيلة للحصول على العلاج في مركز الحسين؟ كل هذه الأسئلة أصبحت في بال الأردنيين، وبرأيي من واجب المركز توضيحها حتى لو كان غير متفق مع الحكومة في قرارها، لذلك يصبح نشر ميزانية المركز المدققة ضرورياً جداً لإعادة ثقة المواطنين في المركز.

 

كشفت دراسة صادرة عن المجلس الصحي العالمي واليونيسف، أن نسبة التغطية بالتأمين الصحي في الأردن ارتفعت من 70 % إلى 78 % بين العامين 2010 و2013. ما يعني أن من نحاول تغطيتهم ضمن الإعفاءات هم 22 % من سبعة ملايين مواطن؛ أي ما يقارب المليون ونصف المليون مواطن غير مؤمن.

يوجد لدى مركز الحسين برنامج مهم جداً للتأمين ضد السرطان، ومن يستفيد من العلاج في المركز هم المؤمنون في هذا البرنامج، ويمكن إيجاد تفاصيل الاشتراك في هذا البرنامج أدناه: https://goo.gl/1x8S4m.

 

إذا قمنا بحساب سريع وافترضنا أننا سندفع الرسم المتوسط الذي ينطبق على من هم بين سن 35 و49 سنة وهو 33 ديناراً سنوياً، وهذه الحسبة تفترض كلفة أكثر بكثير من الكلفة الحقيقية لأن نصف الأردنيين تقريبا هم تحت الثلاثين عاماً ورسم اشتراكهم 13 ديناراً سنوياً، ولكني قمت باعتماد هذا الحساب لافتراض متوسط منطقي لكامل الكلفة، سنجد أنه بإمكاننا أن نؤمن كل الأردنيين الذين ليس لديهم تأمين ضد السرطان اليوم بمبلغ 51 مليون دينار وفي مركز الحسين للسرطان ضمن شريحة التغطية ذات العشرة آلاف دينار، وهي أدنى شريحة متوفرة، وهذا المبلغ هو ربع كلفة الإعفاءات الطبية في العام 2014 التي وصلت إلى 208 ملايين دينار على سبيل المثال. هذا إن قررنا أن نؤمن كامل الأردنيين، فكيف إن قررنا أن نؤمن فقط من هم تحت السادسة وفوق الستين الذين تم وقف تحويلهم لمركز الحسين مؤخراً. وبهذا نضمن رعاية صحيّة مناسبة للمواطنين وفي الوقت نفسه نضمن عدم سوء الاستخدام بإعطاء الإعفاءات لمن لا يستحقّها.

 

من الضروري الإشارة إلى أن الكلام عن أهمية مركز الحسين هو نتيجة تخصص المركز وجودة خدماته، ولكنّه ليس وحده من يعالج مرضى السرطان في الأردن، فالمركز حسب أرقام العام 2016 عالج فقط 29 % من إصابات السرطان، بينما توزّعت باقي الحالات على وزارة الصحّة، والخدمات الطبية الملكية، ومستشفيات الجامعات والقطاع الخاص لمن استطاع إليه سبيلاً. وربّما من المفيد عندما تعلن ميزانية المركز دراسة إمكانية تحويل كل مراكز علاج السرطان الحكومية لتكون تحت إشراف وإدارة مركز الحسين.

 

في الواقع حسب تقارير البنك الدولي، ينفق الأردن ما نسبته 7.5 % من الناتج المحلي على الصحة، بينما المعدل للعالم العربي هو 4.5 % وتتجاوز هذه النسبة عدداً من دول أوروبا. ولكن بسبب الهدر وقلة الإنتاجية وطريقة منح الاستثناءات لا تصل خدمات الرعاية الصحية إلى المواطنين كافة بالشكل المطلوب والعادل. فعلى سبيل المثال، فإن حسبنا كلفة المريض في الليلة في مستشفيات القطاعين العام والخاص سنجدها متقاربة إن لم تكن أعلى في بعض المستشفيات الحكومية حسب تحليل معمق نشره سابقاً الصديق جواد عبّاسي، مما يدل على إمكانية وضرورة تحسين الفعالية ونوعية الرعاية بدون زيادة التكلفة على الموازنة.

 

وهذا ممكن من خلال وضع الإنفاق الصحّي ضمن عملية واضحة ومحكمة تجعله شاملاً بالكلف نفسها التي ننفقها اليوم من الموازنة ضمن نظام يحدد السقوف العلاجية كما هو في التأمين في القطاع الخاص، ويضع معايير للأداء للمستشفيات الحكومية ويربط الزيادات السنوية للعاملين بهذه المعايير. ضبط النفقات يؤدي إلى تعظيم الفائدة وشمول المواطنين كافة بالرعاية الصحية المناسبة، بدون جعل حياة المواطنين عرضة للتجاذبات عند نقاش كل موازنة.

 

"لا تستحِ من إعطاء القليل فالحرمان أقلّ منه"، هكذا كان يفعل الأردنيون على مدى السنوات السابقة عندما كانت صناديق التبرّع لمركز الحسين للسرطان ممتلئة، وبقيت هذه الصناديق كمؤشر مهم على قيمهم العليا وقدرتهم على التكافل والعطاء، هؤلاء الأردنيون يستحقون أن تنفق أموالهم بشكل يضمن لهم الرعاية الصحّية المناسبة وكرامتهم عندما يحتاجون للعلاج.

تم نشره في الأربعاء 4 نيسان في صحيفة الغد

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.