صناعة التعليم

     العين هيفاء نجار المديرة العامة لمدرستي الأهلية للبنات والمطران للبنين

 

المجتمع الحي هو من يجابه الأزمات لا يحيدها أو يتجاهلها، ونحن نعيش أزمة المناهج - ولا أقول تعديلاتها- فالأمر أبعد من تلك التعديلات وأكثر شمولاً. فالمطلوب أن يكون هناك خطة واضحة ناظمة للمناهج، بغيتها الأولى والرئيسية خلق المواطن الصالح، وزرع روح الانتماء فيه إلى وطنه الصغير ووطنه الكبير، وهذا لا يتأتى إلا بمنهاج ينحاز إلى العقل والإنسان، منهاج يُعلي من قيمة البحث والاستقصاء، وبالتالي يفرز تعليماً لا يقدم أفكاراً بل يقدم حالات ومناخات، تعليماً لا يسرد بل يوقظ الأشياء ويفجر أسرارها، الأمر الذي يجعل الطالب يفكر لا ليكون هاجسه النتيجة فحسب بقدر ما يكون هاجسه البحث، يفكر لكي يطرح الأسئلة المقلقة لا لكي يجد أجوبة. هكذا نخرّج أجيالاً متسائلة مبدعة متمكنة، غايتها المركزية الإنسان الأردني ونماؤه، وخير الوطن ونهضته.

ولا بد أن تنحاز المناهج للإنسان، تحترمه وتقدر إنسانيته وتحترم آراءه، مناهج تنظر إلى الأفكار المختلفة على أنها وجهات نظر مختلفة، وليست انحرافاً أو خيانة. إن التهم المسبقة والجاهزة تبطل الفكر وتؤسس للشرطية والخوف والبعد عن السبق والإبداع والابتكار. هدفنا أن ننشئ إنساناً ظامئاً إلى الوحدة وليس إلى الفصل والانفصال، وظامئاً إلى المشاركة لا إلى الهيمنة، ولهذا على المناهج أن تحتفي بالآخر المختلف، ففي الآخر تجد الذات حضورها الأكمل، بل إن الذات لا تسافر في اتجاه كينونتها العميقة إلا بقدر ما تسافر في اتجاه الآخر وكينونته العميقة. على تعليمنا أن يعي أن الآخر مكمل للأنا، وأن التغاير ليس تناقضاً وإنما هو تعدد في إطار الوحدة، وهذا ما يعمل على نهضتنا ورقينا. أما النبذ فهو ما يجعل الكون مستودعاً لركام الاختلاف ونشر ثقافة الاحتراب، فيخلق على المستوى الإنساني كونية زائفة، كونية سيد وعبد، نابذ ومنبوذ، كونية التراتب والمفاضلة.

هذا الوطن لنا جميعاً ولا وطن لنا غيره، وعلينا أن نحميه بالمواطنة الصالحة والقيم النبيلة، وسيادة القانون، واحترام الحقوق وتنفيذ الواجبات، ولا تقوم نهضة مجتمع ما على الاستبعاد والتهميش والإقصاء لنسائه ولا لمكون من مكوناته، بل تقوم على توحيد الجهود والصفوف، تقوم على الحب والتواصل الحي مع الأشخاص والأشياء. إن هذا الوطن يحتاج إلى كل فرد فيه، مهما كان عمله أو لونه أو دينه أو جنسه، فرأسماله الإنسان الواعي المنتمي المحب، ولهذا فعلى المناهج أن تعطي كل ذي حق حقه، وتظهر بما لا يدع مجالاً للشك أن المواطنين متساوون أمام القانون، فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بمقدار انتمائه وولائه للوطن، وبما يقدمه له من تضحيات وخدمات.

إننا بحاجة إلى المدرسة التي تحول صمت المنهاج إلى حركة وفعل، وتصيّر ثباته أجنحة تطير في جميع الجهات وتفتح مساحات شاسعة، وهذا لا يكون بتعليم يملأ ذهن المتعلم بالأفكار بل يكون بتعليمه كيف يفكر بحرية كبيرة، علينا تكريس مبدأ الحرية والتعبير عن الرأي مهما كان مخالفاً، وهذا ما ينشئ جيلاً يعلي من قيمة الحوار، ويتخذه الوسيلة الوحيدة لحل المشكلات. فنحن نريد عقلاً وليس ذاكرة، فالذاكرة تتحول أحياناً إلى ذوق قمعي يقود إلى خضوع أعمى يتحول إلى طغيان أعمى، وهذا ما علينا محاربته بأقصى قوتنا، علينا محاربة الطغيان والظلم والعنف بشتى أشكاله، العنف الذي ينخر في جسد المجتمع فيتركه أنقاضاً.

ولذا يجب أن تكون المدرسة مركزاً ثقافياً للتنوير والتغيير والبحث للمجتمع بشكل عام، ولطلبتها بشكل خاص، ومشغلاً فنياً وحاضنة لكل الإبداعات المختلفة، ومنبراً يتحاور  من خلاله الطلبة بكل شفافية وجرأة، لكي يسيروا على طرق رسموها بأنفسهم ولم ترسم لهم مسبقاً، وبهذا نبني مواطناً مسؤولاً منتمياً ومنتجاً يخدم مجتمعه بحب وشغف. فنحن بحاجة إلى الطالب الذي يبدأ مشروعه الخاص وهو على مقاعد الدراسة، يملك المستقبل بيده، فيغدو مديراً أو فناناً أو مخرجاً أو شاعراً أو روائياً، وهذا ما يستوجب الاهتمام بالتعليم المهني والإبداعي، وعقد شراكات مع مؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص، لكي يتبنوا إبداعات الطلبة ويعملوا على دعمها وتطويرها. كما يقومون بتبني برامج تدريب للمعلمين والمديرين لكي نستطيع تحويل التحديات الكثيرة التي تواجه القطاع التعليمي الحكومي إلى فرص. ففي وطننا الغالي مواطنون غيارى على التعليم، حراص على النهوض به، وهناك من يملك الرؤى والبصيرة، وحينما يتكاتف كل هذا لا تقف محدودية المساحة وفقر الموارد عائقاً أمام التحليق والإبداع في صناعة التعليم.

مهمتنا في المدرسة أن نعمّق تجارب طلبتنا، لا أن ننقل لهم رسالة يكتبونها. مهمتنا أن نخلق لهم مناخاً تتلاقى فيه المشاعر والأفكار في نشوة توحد بين الإنسان والإنسان، وبين الإنسان والكون. مهمتنا أن يزدادوا فهماً لأنفسهم وللعالم، حينئذ نلقي بهم في مجاهيل العالم ونحن موقنون أنهم سيضيئونه بالعمل والفكر والمحبة، وتلك هي البداية في التأسيس لجمالية التغيير الذي نرنو إليه.

 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.