!رحيل الملقي وفريقه لن يغير الكثير؟

رنا الصباغ

ببراعة نجح الأردنيون بألوانهم الإجتماعية والسياسية وبقيادة مجلس النقابات المهنية أمس الأربعاء في إدخال مفهوم الإحتجاج السلمي إلى قاموس المشهد السياسي المحتقن. ففي ربع الساعة الأخيرة، فرضت سلسلة إضرابات إيقاعها على مناخ الناس القاسي وولّدت ضغطا شعبيا على حكومة د. هاني الملقي لسحب مشروع قانون ضريبة الدخل الإشكالي.

وإذا أصرّت الحكومة على "ركوب راسها" كعادة سابقاتها، فستواجه في أقل من أسبوع الموجة الثانية من التحشيد المجتمعي للمطالبة برحيلها من باب عدم اكتراثها بالرأي العام، وسط ائتلاف شعبي غير مسبوق (بعوامه ونخبه) في ما بات يسمّى ب "تحالف المقهورين" – وكذلك ساسة أحزاب ونقابات. (هذا التحالف المتناسل لم يعد يقتنع بخطاب الحكومة ويطالب بمحاسبة الفاسدين والمقصرّين، الذين إدّوا إلى انزلاق وضعنا المالي والاقتصادي إلى درجة خطيرة دون أن يأخذوا إجراءات حقيقية لمعالجة الوضع القائم).

على أنّ ساسة ونشطاء يتساءلون إذا كان رحيل الحكومة يكفي لحلّ المأزق الذي يسير بالبلاد صوب تداعيات مفتوحة على الإحتمالات كافّة إن لم تتغير الأدوات السياسية البالية المستخدمة في تحريك مسنّنات الدولة منذ عقود. بخلاف ذلك، سنواصل الدوران داخل الحلقة المفرغة ذاتها لأنّ آليات الإدارة باتت عقيمة، ومع ذلك تحجم السلطة عن تغييرها لأن في ذلك كلفة سياسية عالية بما فيها المحاسبة والمساءلة وتقليص القطاع العام. تغيير الحكومة لن يسهم إلاّ في رفع فاتورة التقاعد مدى الحياة لكل عضو جديد وكلفة الجهاز البيروقراطي المتناسل. وسيأتي الرئيس الجديد جدا مع طاقمه ثم يرحل دون أن نعرف كيف هبط على الدوار الرابع، معايير اختياره وفريقه ولماذا أخرج؟

غالبية رجال الصف الأول يدركون عندما يقبلون بالمنصب أنهم سيتحولون الى أكباش فداء في ساعة الرحيل. لكنّهم يخرجون بتقاعد مريح ولقب "دولة" مع خدم وحشم ومرافقين، أو لقب معالي أو سعادة ما يفتح أمامهم أبوابا واسعة في مجتمعنا.

فالحكومة، مهما كانت شخصية من يرأسها، لا تتمتع بالولاية الكاملة. وتؤخذ القرارات المصيرية الداخلية والخارجية غالبا خارج نطاق مجلس الوزراء، فيما تكلّف الحكومة بتطبيقها بأقل درجة من النقاش. الرئيس لا ينتخب من قواعد قادرة على محاسبته ومساءلته ثم عزله إن أخطأ أو فشل في تنفيذ وعوده الإنتخابية أو الحزبية كما هو الحال في أشباه الديمقراطيات أو الديمقراطيات. وهو لا يحتاج لكسب شعبية من انتخبه بل رضا من يسانده على البقاء في منصبه من خلال توفير الأغطية والميكانزمات السياسية والأمنية.

لذلك دعونا نقر بأننا لن نخرج من هذا المأزق المعقد إن لم نطلق عملية تطوير اقتصادي وسياسي واجتماعي متداخلة وشاملة هذه المرة بدلا من "بيع أوهام الاصلاح" لعقود. ولنبتعد عن عمليات تجميل سطحية استجابة لظرف سياسي ما أو لمطلب أحد المانحين و/ أو المقرضين.

بعد اليوم، لن يكون ممكنا دفع الضرائب دون أن يكون لنا رأي في ما يحدث لنا ويدور حولنا! نحن بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد يحاكي متطلبات الشعب في زمن تتسع فيه الهوّة بين الفقراء والأغنياء في كل العالم ويتعمق الفرز الطبقي بين الشعب وتحالف السلطة ورأس المال، وسط تراجع مستوى الخدمات المجانية، إخفاق التمثيل السياسي وتحليق معاشات التقاعد.

فالعقد الاجتماعي المطبّق حاليا في عديد دول عربية - والأردن في مقدمتها - يقوم على شقّين: سياسي واقتصادي. "الدولة تلتزم بتوفير الخدمات الأساسية للشعب من تعليم وصحة وغيرها، وتدعم المواد الأساسية كالخبز والوقود، فضلا عن دورها كمشغّل رئيس للعمّال مقابل قبول المواطنين بضعف تمثيلهم السياسي، حسبما كتب د. مروان المعشر في مقالته الأسبوعية بصحيفة الغد أمس الأربعاء. كثرة المنح التي وصلتنا في العرب والغرب بعد الفورة النفطية لم تجبرنا على التفكير بالخطة "ب" - اليوم التالي لنفاذ المنح - وتقليص النفقات وتخفيف مشاريع البهورة وتخفيض نسب الإستدانة الداخلية والخارجية.

هذا العقد البالي لم يعد ممكنا لأنه يتطلب أموالا طائلة للمحافظة على الولاء والصمت على التجاوزات والأخطاء التي ارتكبت بحق البلاد والعباد. نحن بحاجة لمقاربة جديدة. المجتمع تغيّر. الشباب هم الغالبية ويعانون من البطالة والتهميش وغياب الأدوات المفترض أن تؤهلهم لنيل فرص عمل. النمو السكّاني تضاف بفعل الهجرات القسرية ونسب النمو الطبيعي. القيم الجمعية تتغير. الأنترنت أصبح أداة هامة لتعزيز الديمقراطية والتواصل. وما كان مقبولا أمس لم يعد مقبولا اليوم. نحتاج إلى تيارات سياسية تمتلك برامج واضحة ورؤى مقنعة يسمح لها أن تعمل دون "تخوين". وكذلك إعلام تقليدي والكتروني يحترم الرأي والرأي الآخر، لا أن يكون مطيّة للسلطة أو الممولين؛ فيمعن في التضليل والتخوين والتطبيل والتزمير. نحتاج لنظام تعليم قائم على الإبتكار والتفكير النقدي وفهم آليات الحوار والنقد البناء. نحتاج الى برلمان له وزن سياسي فاعل قادم من رحم قانون أكثر عدالة وتمثيل. نحتاج لشبكة آمان مجتمعي فاعلة ولحد أدنى من الخدمات الصحية والتعليمية ووسائل نقل فاعلة وأمنة داخل عمان وبين المدن والعاصمة.

والأهم، نتوقع من جميع رؤساء الحكومات السابقين - منذ بدأ الأردن برامجه "الإصلاحية"- أن يكونوا جزءا من مفاتيح حلحلة الأزمة الإقتصادية والمالية التي خلفوّها وراءهم بسبب سياساتهم الشعبوية غير المجدية وإمعانهم في تطبيق سياسات تخدم حلقات مجتمعية ونخبوية ضيقة.

نحتاج إلى خطّة اقتصادية ومالية واجتماعية وتعليمية لا تتبدل مع تغير الوزراء وأهوائهم. نحتاج إلى مراجعة شاملة ومحاكمة السياسات الفاشلة التي أوصلتنا الى هنا. نريد إرادة صارمة تحاسب كبار الفاسدين وتعمل على تحديث سلطة القضاء.

نحتاج للكثير. بعد ذلك بإمكاننا الحديث عن إصلاحات ضريبية شاملة بما يحقّق عدالة ويوسّع قاعدة المكلفين.

لكن القيادة الناجحة تبدأ ببناء الأنموذج. لا تستطيع إجبار الناس على شدّ الأحزمة على البطون قبل أن يبادر المسؤولين إلى فعل ذلك.

لكن لنقرّ بأن الأردن اليوم لم يعد أردن الأمس قبل انطلاق وسم #إضراب_ الأردن. الشعب فعلا قلق على مستقبله ومستقبل بلده في أقليم ملتهب وسط سياسات فوقية تعيش في قوقعة وحال مستفحل من إنكار الذات.

الأردنيون يستحقون حياة أفضل.

 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.