الجدل حول قانون ضريبة الدخل

ليث العجلوني

 

أثار قانون ضريبة الدخل الذي أعلنت عنه مؤخراً حكومة الدكتور عمر الرزاز الجدل حول السياسات الاقتصادية والمالية للحكومة، لا سيما أن مسودة القانون المقترحة لا تختلف كثيراً عن سابقتها التي أطاحت بالحكومة السابقة. ومن المتوقع أن يتزايد هذا الجدل خصوصاً بعد الانتقادات المسبقة التي وجهت للحكومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي وعبر ماكينات إعلامية وصفها الدكتور محمد أبو رمان بالمشبوهة في مقاله في صحيفة الغد يوم الخميس.

 

واقع الحال يقتضي ألا نقع بالأخطاء التي وقعنا بها سابقاً، وألا نستمر في الحلقة المفرغة التي ندور بها في كل ازمة اقتصادية تلم بالأردن، وأن ننظر للقانون نظرة علمية تلبي مصلحة المواطنين وتحقق المصالح الوطنية العليا، وأن نستغل الحوار الذي أطلقته الحكومة لكي نتوصل إلى صيغة تحقق المصالح الوطنية العليا بالدرجة الأولى وتحمي الطبقة محدودة الدخل، وتحقيق هذين الهدفين لن يفضي بالضرورة إلى إرضاء جميع الأطراف والجماعات الضاغطة التي ستضرر مصالحها من هذا القانون، مثل: القطاعات المهنية التي تعمل في الاقتصاد غير الرسمي والقطاعات المتهربة ضريبياً، أو حتى الأغنياء وذوي الدخل المرتفع الذين يفرض عليهم القانون ضريبة تصاعدية، بحيث تزداد نسبة الضريبة المفروضة مع زيادة دخل المكلف.  

 

كذلك، من المهم ألا نحكم على أداء الحكومة من قانون ضريبة الدخل وحده، بل أن نقيمها بطريقة شمولية وفقاً للإصلاحات المطلوبة في السياسات والتشريعات الاقتصادية، لذلك الحكومة اليوم مطالبة بالعمل على ضبط الانفاق العام الجاري بشكل جوهري وضبط الدين العام وفقاً لأنظمة وتعليمات واضحة.

 

الحقيقة أن القانون المقترح يحمل بين طياته العديد من الإيجابيات والسلبيات، ولتقييم مواد القانون وتمييز ما هو سلبي مما هو إيجابي علينا بالدرجة الأولى النظر إلى الآثار الاقتصادية والاجتماعية المترتبة على هذا القانون.  بالنسبة للآثار الاقتصادية فمن المتوقع أنه وبحلول العام 2020 أن تبداً الحكومة بتحصيل من 90 إلى 100 مليون دينار إيرادات ضريبية إضافية من قطاع الأفراد بعد أن يصبح اعفاء الفرد 8000 دينار والأسرة 17,000 دينار. بالإضافة إلى ذلك، فإنه ومع تطبيق نظام فوترة إلكتروني يلزم جميع مقدمي الخدمات والسلع بإصدار فواتير، فسترتفع الإيرادات الضريبية نظراً لدور هذا النظام في ضبط التهرب الضريبي وزيادة التحصيلات.

 

من الأمور الإيجابية الأخرى في القانون رفع القانون نسب ضريبة الدخل تدريجياً على أرباح الشركات التي تعمل في المناطق التنموية، بما يساهم في زيادة الإيرادات الضريبية المحصلة منها وعدم تنفير المستثمرين في هذه المناطق، نظراً للتدرج في زيادة النسب الضريبية عليهم حتى لتصل من 7% في العام 2019 إلى 20% بحلول العام 2023. والأهم من ذلك هو ربط الإعفاءات التي تمنح لهذه الشركات بنظام يقيم مدى الاستفادة الاقتصادية منها وحجم تشغيلها للأردنيين، خصوصاً ان الشركات العاملة في هذه المناطق تمتعت بامتيازات واعفاءات لفترة طويلة من دون تقييم فوائدها الاقتصادية والتنموية.

 

أحد التشريعات الهامة والمرتبطة بقانون ضريبة الدخل هو مشروع قانون الزكاة الجديد والذي يسمح بتنزيل مصروف الزكاة من الضريبة المفروضة على المكلفين، وبالتالي فإن هذا يصب باتجاهين؛ الأول، تقليل قيمة ضريبة الدخل المدفوعة، والثاني، تحفيز دافعي الزكاة على دفعها من خلال صندوق الزكاة وبتالي مركزتها وتوجيهها من خلال قناة رسمية واحدة إلى مستحقيها واستغلالها في المصارف المنصوص عليها شرعاً والمخصصة للإنفاق على مشاريع إنتاجية تنقل الفقير من البطالة إلى الإنتاج بالإضافة إلى انفاقها على الصحة والتعليم والإسكان المخصص للفقراء.

 

بالمقابل، فمن مواطن الخلل في القانون الجديد هو الغاء الحكومة لإعفاء الـ 4000 دينار بدل نفقات التعليم والصحة في ظل تردي الخدمات العامة، مما سيعرض شريحة كبيرة من الأردنيين الذين ينفقون على التعليم الخاص والعلاج في القطاع الخاص إلى خسارة المزيد من دخلهم لصالح ضريبة الدخل، ولذلك من الضروري إعادة هذا الاعفاء.

 

وبطبيعة الحال لا يمكن تقييم النهج الاقتصادي للحكومة من خلال النظر إلى قانون ضريبة الدخل وحده، فمقابل توسيع قاعدة المكلفين بدفع ضريبة الدخل، التي تعتبر أداة من أدوات توزيع الثروة، على الحكومة تخفيف العبء الضريبي الكلي على المواطن المتمثل في ضريبة المبيعات على السلع والخدمات الأساسية وكذلك الرسوم والضرائب المتنوعة التي يلزم المواطنين بدفعها في مختلف الدوائر الحكومية، ويجب أن يصب كل ذلك في سبيل استرجاع القوة الشرائية لذوي الدخل المحدود ومنحهم القدرة على العيش.

 

من المهم أيضاً، ألا تقتصر الرؤية الحكومية على زيادة الإيرادات الضريبية من خلال تقليص الإعفاءات الممنوحة للأفراد فقط، ولكن يجب أن تشتمل رؤيتها زيادة التحصيل الضريبي من خلال زيادة دخول الأردنيين وخلق فرص اقتصادية حقيقية لهم وتحفيزهم على العمل والإنتاج. ومن هذا المنطلق وفي سياق ارتفاع معدلات البطالة وارتفاع نسبة الشباب في الهرم السكاني الأردني؛ بحق لنا التساؤل لماذا لا تقدم الحكومة مزايا ضريبية للشباب تحت سن 30 عام من الرياديين ومن بادروا بتشغيل أنفسهم من خلال بدء أعمالهم ومشاريعهم الخاصة؟! لا سيما وأن هذه الفئة تواجه العديد من المعيقات البيروقراطية والرسوم والفواتير التشغيلية التي تمنعهم من بدء مشروعهم الخاص.

 

من أهم الإصلاحات التي يجب أن نوليها الأهمية هي اصلاح الاختلالات في المالية العامة للدولة، وهذا يتطلب من الحكومة ان تقوم بهذه الإصلاحات من خلال قانون الموازنة العامة المنتظر في شهر نوفمبر القادم، حيث يجب ان تقوم الحكومة بضبط الهدر في نفقاتها الجارية بشكل كبير، والحقيقة أن هنالك العديد من البنود التي يمكن خفض النفقات الجارية فيها. كما يجب أن يتم متابعة الفوائض بالموازنات المخصصة للوزارات والهيئات المستقلة والعمل على اعادتها للخزينة.

 

كذلك، يجب على الحكومة اليوم القيام بإجراءات واضحة ومحددة لضبط الدين العام، ومأسسة عملية الاقتراض الحكومي، وذلك من خلال العمل على مركزة القرارات المتعلقة بالاقتراض للمؤسسات والهيئات التابعة للحكومة والمؤسسات شبه الحكومية وتبرير المشاريع والأسباب التي تقترض بموجبها هذه المؤسسات وتعزيز المسائلة والرقابة على عمليات الاقتراض وسبل إنفاق الأموال المقترضة ومدى حاجة هذه المؤسسات لهذه القروض والمشاريع التي تقترض لتنفيذها، وذلك حتى لا تتسبب بعض الجهات برفع الدين العام للحكومة بلا سبب أو مبرر أو أثر تنموي حقيقي. بالإضافة إلى ذلك، يجب أن تقوم أي جهة حكومية أو شبه حكومية بتقديم مصادر سدادها للقرض ودراسة للأثر التنموي لهذا القرض عند طلب الموافقة من الجهات المعنية عليه.  

 

والأكثر أهمية اليوم أن تعمل الحكومة على ضبط الفساد ومحاربته بشكل حقيقي وجدي ومهما كان الثمن ومهما كانت الضغوطات، لأنه من دون محاربة الفساد لن يشعر الأردنيون بجدية الحكومة في عملية الإصلاح.

 

ملخص القول، بغض النظر عن قانون ضريبة الدخل وجدلية مسألة الضرائب في الأردن، على الحكومة اليوم أن تبدأ وبالتوازي مع طرحها لقانون ضريبة الدخل بإجراءات جدية وحازمة ومباشرة لضبط الهدر في الانفاق العام، والتخفيف على المواطنين الأردنيين من خلال إعادة النظر في الضرائب غير المباشرة والرسوم المختلفة، ومحاربة الفساد بشكل جدي، وخلق فرص اقتصادية للشباب من خلال استثمار الإيرادات الحكومية في مشاريع ذات أثر تنموي حقيق، وأن يتم إحالة عطاءات هذه المشاريع لتحالفات من شركات صغيرة وناشئة لمنح القائمين عليها فرص أكبر بالارتقاء بمشاريعهم وتشغيل المزيد من الأردنيين، بدلاً من الأساليب التي كانت متبعة سابقاً في احالة هذه المشاريع لشركات كبرى أو شركات ذات صلة بالرأسماليين المرتبطين بالحكومة أو "النواب المقاولين".

 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.