أحرام الفضفضة والتحاور؟

رنا الصبّاغ

خلال الأسابيع الماضية، أجهضت عدّة فعاليات كانت مخصصة لمقاومة الفكر المتطرف؛ من خلال حرية الرأي والتعبير والتجمع. آخر تلك العناوين "متضامن مع الميادين"، التي كان مقررا استضافتها في مسرح البلد مساء السبت. وقبلها سيّجت ساحتا "الكالوتي"، و"الريجنسي" المجاورة للفندق، حيث جرت العادة إقامة اعتصامات ووقفات شبابية وشعبية خلال السنوات الماضية. كذلك، منعت اعتصامات جمعية مناهضة الصهيونية والعنصرية "جك"، وفعاليات الهيئة الشعبية الأردنية للدفاع عن المسجد الأقصى. مع أن مثل هذه الأنشطة الاحتجاجية تندرج ضمن القوة الناعمة لأي دولة، ويفترض أن تساند الخطاب الرسمي الممتعض من ممارسات إسرائيل في القدس وحيال الفلسطينيين.

فما هي الرسالة المراد توصيلها لهؤلاء الشباب والشابات بأفكارهم المعتدلة والليبرالية، بما يعبرون عن مواقف أيديولوجية ناقدة للممارسات الإسرائيلية التي باتت تحرج السياسيين؟ ماذا تحاول مؤسسات الدولة قوله لمن يحاولون التعبير عن آرائهم وفق الدستور والقوانين بعيداعن العنف والقتل والتحريض؟ أي رسالة تريد توصيلها للقائمين على برامج شبابية إبداعية معتدلة نبتت خلال السنوات الخمس الماضية، بعضها حصد جوائز محلية ودولية، من بينها جائزة التمكين الديمقراطي الملكية للعام 2014؟ ماذا تريد أن تقول للشباب المؤمن بالعمل التطوعي في خدمة مجتمعاته والمساهمة في بناء بلادهم وفق معادلة الديمقراطية خلاّقة؟ ما الهدف من منعهم تناول مواضيع سياسية واجتماعية واقتصادية في مختلف محافظات المملكة، بينما يغض الطرف –مثلا-عن مهرجان خطابي لداعية معروف بتوجهات متشددة تعكس روح "داعش"، بينما ينخرط الأردن الرسمي في حملة عسكرية دولية لمحاربة هذا التنظيم في العراق وسورية؟ 

الرسالة بالطبع واضحة في زمن الردّة على الحريات السياسية والإعلامية وتناسل خطاب الكراهية والفتنة على يد رؤوس حامية لا تتورع عن إشعال النار مع تنامي الحساسية الرسمية تجاه منظمات المجتمع المدني، وبخاصة ذات الخطاب الليبرالي الداعمة لأسس الدولة المدنية القائمة على المواطنة، وفصل السلطات، وتحديد حقوق وواجبات المواطنين والمسؤولين تحت سقف الدستور في دولة القانون والمؤسسات.

لم تعد هناك مساحة لسماع رأي آخر غير الرأي السائد في الإعلام العام والخاص الموالي للسلطة، وفي المنابر والمناهج التي تنبذ التعددية الفكرية والثقافية والاجتماعية والعرقية والدينية –وهي أركان الأردن قبل قرن تقريبا، المتمثلة في صهر المنابت والأصول في وعاء يتسع للجميع عنوانه: "قوتنا في اختلافنا". إذن، ماذا بقي من العيش المشترك والتعددية التي طالما ميّزت الأردن عن جواره؟ 

ألا يوجد متسع للفضفضة في زمن الحرب على الإرهاب وفكر "داعش" وأخواته العابرة للحدود وافتعال مواجهات في العالم الافتراضي؟ لا مجال لحرية الرأي والتعبير خارج الأطر المعرفية والثقافية والقيمية لغالبية العاملين في البيروقراطية الأردنية المتجذرة، ممن تريد قيادة الأردنيين وفق اتجاهاتها ضمن أطر المرجعية التقليدية؟

لا مجال لتحمل فلسفة المناظرات الغائبة أصلا عن ثقافة مجتمعاتنا ذات اللون الأحادي، حالها حال قيم العملية التربوية والتربية الأسرية. فالمناظرة تعني طرح قضية بمشاركة متحدثين على طرفي نقيض بهدف حفز الحوار، ثم إشراك الجمهور في النقاش تأييدا أو معارضة على أسس علمية قائمة على الحقائق والأرقام، وأخيرا ترك المجال للمستمع او المشاهد لتقرير موقفه.

الأسوأ أن تلك الحساسية لا تظهر تجاه فعاليات المجتمع المدني ذات التوجهات المحافظة. ولا تطال أساتذة شريعة وخطباء مساجد وفقهاء الكراهية ودعاة الفضائيات و"يوتيوب". فهؤلاء-ربما برأي من يشغل الصف الثاني والثالث في القطاع العام- علماء الأمة وشيوخ التسامح وبناة الأطر المرجعية والقيمية الصحيحة لفكر المستقبل والهوية الثقافية. ولا تتوقف عند تشويه حقائق وتوجهات خطيرة في الكتب المدرسية التي تحشى بمبالغات -بعضها قائم على اختيارات المؤلفين-تساهم في شحن الطلبة بالعنف والكراهية وبث الفرقة في المجتمع والتحريض على التطرف، بدلا من السعي لبناء مجتمع متسامح تجاه النفس والآخر بسوية فكرية كما كان يعيش الأردنيون.

لمصلحة من يتم إغلاق ملف إصلاح التعليم وعدم التطرق إلى السلبيات في المناهج، خصوصا بعد ارتفاع أصوات تنادي بالعودة عن التعديلات الأخيرة في الكتب المدرسية لأنها تحمل مضامين أسوأ من سابقاتها؟  

لا مجال للتمكين الديمقراطي بدءا بالصبايا والشباب؛ بناة المستقبل. لا مجال لغرس روح الإبداع؛ أس الحياة والتطور. لا مجال لأنشطة "فرسان التغيير" في العمل التطوعي لمعالجة المشكلات الشبابية عبر طرحها في الفضاءات العامة. لا مجال للتعبير عن الانتماء "لله والوطن والملك" خارج الأطر المقررة سلفا. ولا مجال لتعزيز مفهوم القيادة لدى كل مواطن. لا مكان لإعادة صوغ مفاهيم وقيم جديدة تناسب القرن الواحد والعشرين؛ لا تكون فيها المرأة عورة والتفكير عورة لأننا تناسينا أن المواطنة والديمقراطية والمدنية بأجلى معانيها أهم الاختراعات السياسية في العالم المتحضر. أصبحنا متشابهين في الشكل والمضمون بفعل مناهج التربية والتعليم الجامدة وحرمان طلبة المدارس الحكومية من الانخراط في الفن والتمثيل والإبداع والفلسفة، لأن في ذلك مخالفة للتقاليد والهوية المعلبة. مناهج تعزّز مفاهيم الولاء للهويات الفرعية الضيقة والمجتمعات المركبة والتزمت بعد أن نشأنا على أسس ثقافة قائمة على البطريركية وعقلية السترة في بيوتنا. 

وعليه فإن من يقرر الاختلاف، عليه العيش إما منبوذا أو يقرر هجرة الوطن.

ممنوع الفضفضة خارج إطار المنزل، بخاصة لمن يحمل بذور فكر حر وتقبّل الرأي الآخر والحق في اختيار طريقة الحياة وليس ما يراد لك أن تكون. للسلطة حق تطبيق القانون، لكن ليس وفق مقاساتها بما يستقوي على من تريد متى تريد وتستخدم القانون كأداة سياسية قابلة للمراوغة تتشدد في تطبيقه تارة وترفع يديها عنه تارة أخرى، كما حدث في بدايات الربيع العربي قبل الانكفاء قفزات من دون مساءلة.

وبعد هذا كله، يتساءل مسؤولون عن أفضل الطرق لتحصين المجتمع من الفكر الإرهابي والتطرف، الذي ينخر المجتمع الأردني الجديد بدلا من اعتماد أدوات حكم شفافة على قاعدة المحاسبة والعدالة كطوق نجاة ومفتاح للتغيير صوب الأفضل لمصلحة مجتمعاتنا وحكامنا.

تم نشره في صحيفة الغد الأربعاء 25 تشرين الثاني / نوفمبر 2015

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.