ارحموا الأردن من مناهج التجهيل!

رنا الصباغ

أناشد جلالة الملك عبدالله الثاني تشكيل لجنة ملكية مستقلة لتشريح المناهج التي وضعتها وتضعها وزارة التربية والتعليم، بهدف تطهير منظومة التعليم من خراب الفكر الإقصائي والتطرف ورفض الآخر.

فهذه المفاهيم المرعبة المدسوسة في المناهج تنغرس في عقول صغارنا وتتغلعل في أحشاء مجتمعنا، في تناقض مع قيمه المبنية على الوسطية والاعتدال والانفتاح، قبل أن تتكشف مناسيب الغلو والتشدد بعد صعود نجم تنظيم "داعش" وأخواته.
لماذا نحتاج إلى هكذا لجنة؟

لأنه رغم سيل التصريحات الحكومية حول مراجعة المناهج خلال العام الماضي، ضمن استراتيجية أشمل بلورتها أجهزة الدولة لمواجهة مد الفكر الداعشي عسكريا وأيديولوجيا، فإن المناهج ما تزال محشوة بافتراءات وتوجهات خطيرة، تنذر بتدمير ما تبقّى من الهوية الوطنية الجامعة والتنوع والتعددية، وتقوض أسس الدولة المدنية. وذلك لأن المراجعات الأخيرة ظلّت شكلية -كسابقاتها على مدى ثلاثة عقود- ولم تفض إلى تعديلات جوهرية.

فمنهاج التربية الوطنية الجديد للصف الرابع، يؤسس لإقصاء مفهوم المساواة في المواطنة المكفولة دستوريا بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون. ففي إحدى الفقرات (ص 25) -مثلا- تقرأ: "يدين سكان وطني بالإسلام، وفيه يعيش المسلمون والمسيحيون متحابين". وفي منهاج التربية الدينية للصف العاشر شحنات مستمرة من العنف، وتربص يضمره مؤلفو الكتب تجاه شركاء في الوطن، فقط لأنهم لا يؤدون شعائر الإسلام. والمنهاج مليء بمفاهيم انتقائية من السُنّة، لا يجوز تلقينها للأطفال، مثل: القتال، المرتد، الجهاد، هدر الدماء، استباحة الأموال، الإيمان عنوة مقابل السلامة والمال، وإقامة الصلاة عنوة.. إلخ. هذه المفاهيم -حسبما جادلت الأكاديمية العلمانية زليخة أبو ريشة أخيرا- لا تؤدي إلى مجتمع متسامح أو إلى "إسلام سمح"، ما دام الطلبة يتعلمون أن عليهم رفع السيف على من لا يشاطرهم العقيدة. 

مطلوب تشكيل هذه اللجنة الملكية اليوم قبل غد، لكشف الحقائق التي يحاول مسؤولو وزارة التربية نفيها أو التشكيك بنوايا من يتعرض لها من أكاديميين مستنيرين.

لجنة تضم متخصصين ومتخصصات في علم تطوير المناهج، ووزراء عاملين وسابقين، ورجال دين مستنيرين وتقليديين، ومعلمين ومعلمات ومديري مدارس حكومية وخاصة، وفنانين يمثلون مكونات المجتمع بتنوعه العرقي والديني ومرجعياته السياسية. على أن تكلف بفحص المناهج ككل؛ وتحديدا مساقات اللغة العربية والتاريخ والتربية الوطنية والتربية الدينية من الصف الأول وحتى التوجيهي.

بهذا الفحص المعمق، ستنكشف للجميع كم المفاهيم المضللة والتجني على الآخر، والتوجهات الخطيرة التي تفرض على 1.8 مليون طالب وطالبة، 451 ألفا منهم ينخرطون في مدارس خاصة. 

بعد تشخيص المرض، يتم رسم طريق العلاج، وتحديث المناهج يما يضمن أرضية شعبية تتقبل أسس بناء أردن المستقبل وفق الأطر التي حددها الملك عبدالله الثاني ضمن سلسلة أطروحات قبل عامين.

ترك مراجعة المناهج وتطويرها بيد الحكومة لم يعط نتيجة. فالحكومة هي الخصم والحكم في الوقت ذاته. وستستمر في "الطبطبة" وشراء الوقت. وستتصرف باندفاعية من خلال التشكيك بنوايا كل من ينتقد المناهج القديمة والمحدثّة بالاتكاء على الأدلة والبراهين. 

وزارة التربية والتعليم أيضا غير قادرة على تحديث المناهج لأسباب موضوعية، ولأن أول من سيعارض ذلك هو غالبية موظفي الوزراة ومن ورائهم جهاز البيروقراطية المحافظ والتقليدي.

لماذا؟ لأن في داخل الوزارة جيلا كاملا تأثر بلون سياسي/ عقائدي واحد، يتبع جماعة الإخوان التي احتكرت الوزارة لنصف قرن، وجيّرت المنظومة التعليمية لصالحها في سياق استكمال مشروعها السياسي باسم الدين لخدمة مصالحها وأهدافها، مكرسة ثقافة التخندق والانغلاق وإقصاء الآخر.

خلال السنوات الماضية، نما في الوزارة حلف غير معلن بين المحافظين الرسميين والمحافظين المدنيين، يتكاتف من أجل الإبقاء على المفاهيم التى زرعتها المناهج الحكومية قبل ان تتكشف أبعاد الفكر الداعشي وتأثيراته على قطاعات واسعة في المجتمع. ويتجه مستنيرون لقرع جرس الإنذار، مستغلين موقف القصر المندد بهذا الفكر المتشدّد.

خلال العقود الخمسة الماضية، ألغيت مناهج الأدب التي كانت تتحدث لغة الكون، وتحترم منطق التفاعل الإنساني وحرية الفرد. وغيبت عنها أسس الفلسفة والفنون والمسرح والرسم والفكر النقدي. باتت صورة المرأة في الكتب تركز على نمط واحد وزي واحد. وبذلك انقلبت رأسا على عقب جذور الانتماء والتفاعل مع الموروث الثقافي المعاصر، وتسيدت المشهد ثقافة جديدة تؤيد إقصاء الآخر المختلف نتيجة "الجندر" أو المعتقد أو الثقافة.

اليوم، يحصد الأردن ثمار ما زرعته وزارة التربية والتعليم في مناهج تمجد الماضي ولا تنظر للمستقبل. تتجلى النظرة الماضوية في استطلاعات الرأي والجدالات الرقمية عير الإنترنت، حيث تظهر أصوات انعزالية تحض على العنف واضطهاد الآخر. 

تشكيل لجنة ملكية لتقصي المناهج الدراسية لا يقل أهمية عن الأسباب التي شجعت الملك على تشكيل لجان ملكية لتعديل الدستور ووضع منظومة النزاهة العامة. ولا يوجد مصلحة لدى لجنة متعددة المشارب السياسية والفكرية والثقافية في إخفاء الحقائق عن "غش" عقول النشء القائم في مناهجنا التعليمية.

من دون الالتفات الجاد والسريع لما يحدث في المناهج، سيستمر التحالف غير المعلن في وزارة التربية والتعليم في إصراره على منع تعليم أبنائنا وبناتنا قيما تنويرية قائمة على المواطنة واحترام التعددية والتنوع؛ الأسس التي ستنقلنا إلى دولة مدنية علمانية حداثية وديمقراطية. وستتعمق الفجوة الثقافية والقيمية بين أغلبية تخرجها مدارس الحكومة وأقلية محظوظة في مدارس خاصة توفر خيار التعلم وفق مناهج وزارة التربية إلى جانب برامج وأنشطة تنمي الفكر النقدي والحس الفني أو مساقات معتمدة في الغرب -مثل البكالوريا الأميركي أو البريطاني- تستبدل كتب التربية بفرضيات المعرفة.

وتعمق الفجوة بين المحظوظين وغير المحظوظين يشجع الحقد الطبقي وكراهية الآخر المختلف.

فغالبية خريجي المدارس الخاصة تعرضوا لمناهج غربية تعتمد نظريات الانفتاح والفكر النقدي والعمل الفني الإبداعي، مع أن ذلك لا يعني بالضرورة أن جذور الانتماء والتفاعل مع الموروث الثقافي المعاصر قوية ومتينة. وبذلك تعيش بيننا أقلية بعيدة عن واقع حال غالبية المجتمع، تتمتع بحرية فردية أعلى وتتحول إلى شريحة مغتربة داخل الوطن تعمل في مؤسسات القطاع الخاص التي قد تحمل فكرا مشابها، أو تهاجر إلى حيث تقدر على التعايش مع الواقع الاجتماعي وقيم العمل.

أما القادمون من المدارس الحكومية، فيرضون عموما بالوظائف التقليدية، وينخرطون في المؤسسات التربوية الحكومية والخاصة التي تخدم المجتمع الأكبر، ولديهم لحمة مجتمعية أوثق بسبب ارتباطهم بالأسرة والحي. لكنهم لم يتعلموا في مدارس تؤسس للشخصية المدنية، من خلال الفلسفة والفنون والفكر النقدي والتنويري المستقى من الموروث العربي، سواء أكان مسيحيا أو مسلما، ما يحرمهم من ديناميكية الحركة في بيئات مجتمعية وعمل مختلفة.

إشكالية هذه الفئة أنها تعيش في أحياء تدار بثلاثية: القطب الأمني البيروقراطي بعقلية شوفينية؛ وقطب الأسرة الممتدة؛ ونشطاء العمل الخيري الاقتصادي الذي يديره أشخاص يحملون اتجاهات تخلط السياسة بالدين. في هذه الأحياء، لا توجد فضاءات مدنية تؤسس لمسارح أو ورش فنية، باستثناء إمكانية الانفتاح على الآخر من خلال الهواتف الذكية وشبكات التواصل الاجتماعي. وهنا الصدمة؛ فإما الانكفاء أكثر بسبب عدم القدرة على التعامل مع من لا يشبههم، أو الانغماس في التشدد رغبة في الانتقام أو الشعور بالأمان.

وبذلك يستمر الصراع الحقيقي بين الخطاب المدني العلماني القائم على فصل الدين عن السياسة وتوفير الحد الأدنى من حقوق الإنسان، وبين خطاب يحمله تيار يتحدث باسم الأصالة والموروث الشعبي، مدعيا أنه يمتلك الإجابات عن جميع الأسئلة، ما يؤدي إلى مزيد من التطرف والتجهيل.

تلك الإشكالية قد تعالج أيضا من خلال مداولات لجنة ملكية لتحديث المنظومة التعليمية، بحيث تؤسس تدريجيا لأشكال متنوعة من التجارب التعليمية الغربية والعربية، بما يفرز جيلا بهوية أكثر أصالة، قادرا على التعاطي مع متطلبات العيش في عالم القرن الواحد والعشرين.

والأمل أن تضعنا هذه اللجنة على مسار مستقبلي يعزز هويتنا الجامعة التي كانت بارزة حتى مطلع ثمانينيات القرن الماضي، بحيث تجمع بين أصول الدين الإسلامي والأصالة العربية والتنوير، كما تصون كرامة الناس، وتعزز التجانس وتقوي الإرادة المجتمعية وحب الوطن والانتماء. فالمثل الشعبي يقول: "اللي ما إله قديم ما إله جديد". 

ولنتذكر بأن الأردن الحديث بني على مفاهيم جبلها أجدادنا وآباؤنا المؤسسون، مسلمين ومسيحيين من عشائر الوطن، فلاحي الأرياف، فلسطينيين، شيشان وشركس وأرمن وشوام (من سورية ولبنان) وحجازيين، ومصريين وعراقيين لجأوا للمملكة من العنف والبطش في بلادهم على مدى عقود. وقتها كان الدين لله والوطن للجميع. وكانت قوتنا في تعدديتنا واحترامنا للآخر ولحرية الرأي والمعتقد والموروث. أعيدونا إلى تلك الأيام عندما كانت الأخلاق سيدة المشهد، ولم يكن الدين أو العرق عامل تفرقة بسبب قوة البوتقة الثقافية والاجتماعية التي صهرت الجميع؛ متدينين أو غير متدينين، سافرات أو مرتديات الحجاب من دون أن يكفرهم أحد أو يجبرهم على اتباع أحد الاديان أو ارتداء ملابس معينة.

لنحدّث منظومتنا التعليمية قبل فوات الأوان. فالتربية والتعليم أساس بناء الدولة والمجتمع بعد أن نحدد مسار الدولة التي نريد؛ هل نصر على العيش في التاريخ ونمجد الماضي، أم نعمل صوب مشروع نهضوي تدريجي يسير بنا صوب دولة مدنية تقبل بالتعددية والتنوع وتحترم حقوق المرأة والطفل؟

نشر هذا المقال في صحيفة الغد بتاريخ 6/1/2016

 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.