الخضرا في "عش الدبابير"!

وزير التعليم العالي لبيب الخضرا

محمد أبو رمّان

لا نعرف التفاصيل والحيثيات السابقة التي أدت إلى خروج وزير التعليم العالي لبيب الخضرا، من اجتماع لجنة التربية في مجلس النواب، بطريقة اعتبرها أعضاء اللجنة مستفزة، ودفعتهم إلى توعّد الوزير. ثم تلا ذلك بيان ساخط غاضب من الائتلاف النيابي (الذي من المفترض أنّه يمثل الأغلبية النيابية)، يحذّر فيه رئيس الوزراء من "حماية الوزير"!

حادثة خروج الوزير إجرائية، مرتبطة ببروتوكولات العلاقة بين الطرفين، وربما بسوء تفاهم؛ يمكن حلّها عبر توضيح من الوزير يهدّئ من الحملة الشعواء المتنامية ضده. لكن من غير المقبول أن يتم استثمار هذه الحادثة للإساءة للوزير، ولإشعال فتيل أزمة جديدة ضد الحكومة، وقولبة النقاش من حديث عن إصلاح التعليم العالي إلى الإطاحة بالوزير!

على النقيض من بيان الائتلاف النيابي، فإنّنا نطالب الرئيس بحماية الوزير ودعمه، لأنّه شرع في معركة تاريخية مهمة، تتمثّل في ترجمة الخطط والاستراتيجيات لإصلاح التعليم العالي؛ بداية من رفع معدل القبول الموّحد للجامعات الحكومية ليكون 70 % والخاصة 65 %، وتأكيده على قرار الوزير السابق د. أمين محمود، بإلغاء "كوتات" مجالس التعليم العالي، والإعداد لتأطير مكرمات أخرى، مثل "الأقل حظّاً"، لتصبح ضمن برنامج محدد تنطبق عليها شروط العدالة والمنطق.

مثل هذه الخطوات الأولية لإصلاح التعليم العالي، وانتشاله من الكوارث الكبيرة التي وقع فيها، لن تحظى بالضرورة برضا "مافيات" نيابية نافذة، لأنّ ذلك سيحرم النواب من التحكم بعدد كبير من المقاعد الجامعية التي كانت تصرف لهم بصورة عشوائية، ويقدمونها بلا أي معيار منضبط، في حالة فوضى كبيرة انتشرت في القبول الجامعي، ونجم عنها أن أصبحت نسبة "الكوتات" أعلى من القبول الموحد!

الدعاية التي يتم الترويج لها عبر أصوات نيابية وسياسية، تريد تصوير الوزير كأنّه معادٍ لأبناء المحافظات؛ واستثارة التيار اليميني-المحافظ ضده. وربما يتم اتهامه غداً بالوطن البديل والتوطين! وهذه لا تعدو أن تكون دعاية سياسية مكشوفة. فالرجل لم يأت شاهراً سيفه، يريد تحطيم كل التراكمات السلبية الكارثية التي دمّرت التعليم، دفعةً واحدة، وإنما هو يتحدث عن خطوات متدرجة ومنطقية وعملية، من بينها لاحقاً ضبط موضوع العشائر (من المفترض أنّها "الأقل حظّاً") ضمن معايير إدارية ونظامية محددة، تتوخّى العدالة، ولا تسير فقط لتحقيق مكاسب شخصية للنواب والمستفيدين.

لا داعي للقلق من قبل أبناء المحافظات، فالكل يدرك أنّ هناك فجوة تعليمية كبيرة بين المحافظات والمدن الرئيسة. لكن المطلوب أن نعمل على ردم الفجوة بالتدريج، لا تجذيرها وتوسيعها، بحيث تنمو حولها الفطريات وتنغل فيها الجراثيم، وجعلها "حقوقاً مكتسبة" لا يمكن الاقتراب منها والمسّ بها؛ أي أن تتحوّل إلى "تابو"!

قرأت مقابلة الوزير مع "الغد" أمس، وهو يحمل آراء إصلاحية جيدة، وواقعي في طرحه. ولا يوجد داعٍ لهذه الحملة النيابية غير المنطقية والعدائية. وإذا كان هناك عنوان واضح لها، فهو ممانعة الإصلاح، والإصرار على مسار تدهور التعليم العالي والسير به نحو الهاوية.

من الضروري أن يتكاتف التيار الإصلاحي اليوم داخل الدولة، وفي المجال العام وتحت قبة البرلمان، لدعم الوزير في مواجهة هذه الحملة النيابية والإعلامية، لخوض معركة شبيهة بمعارك أخرى لرد الاعتبار لسلطة القانون والدولة، ووضع حدّ لسياسات الاستثناء الفوضوية والعشوائية المتمددة المعمول بها حالياً، والتي كانت وفقاً لدراسات متعددة سابقة سبباً في العنف الجامعي والتدني في مستوى التعليم العالي.

إذا كان الوزير أخطأ في بروتوكول التعامل مع النواب، فإن هذه قضية جزئية-إجرائية لا يجوز أن تصبح "قميص عثمان" في الحملة الراهنة.

 
نشر المقال في صحيفة الغد بتاريخ 9/6/2015

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.