الشراكة البرلمانية الحكومية؟!

بقلم جميل النمري

شهدت أول جلسة للنواب في الدورة الثالثة، صباح أمس، تسخينا لافتا. ولام النواب الحكومة بشدّة في الجلسة الصباحية أمس، على تجاهل المجلس، واستغلال عطلته لاتخاذ قرارات من نوع استبدال رئيس ديوان المحاسبة من دون مشاورة، رغم تغني الحكومة ليل نهار بالشراكة مع مجلس النواب. وبدا موقف الرئيس الذي اشتكى أيضا من عدم وجود آلية واضحة لتطبيق مبدأ التشاور غير مقنع للنواب الذين وسعوا دائرة النقد لتشمل تعيينات أخرى.

التعيينات للمواقع القيادية هي موضوع ساخن، تحيطه التخمينات والشكوك دائما. ورغم وجود آلية مؤسسية قررتها الحكومة لنفسها (الإعلان عن الشواغر وشروطها، واستقبال الطلبات من لجنة وزارية تجري المقابلات وتعطي العلامات)، إلا أنها غير ملزمة ولا يجري الالتزام بها دائما، ناهيك عن عدم وجود أي شكل للشراكة مع مجلس النواب في القرار، لا عرفا ولا قانونا. وهجمات النواب واتهاماتهم الصريحة أو الضمنية بمناسبة كل تعيين لا قيمة لها غير التوظيف الإعلامي الشخصي للنواب، ما دامت تنتهي عند الميكروفون، ولا تترجم إلى أفكار ومقترحات محددة لفرض المشاورة والشراكة في القرار.

لا نريد خلط الأوراق وإرباك المبدأ الدستوري للفصل بين السلطات. لكن ثمة مناصب عليا ذات استقلالية وصفة رقابية على السلطة التنفيذية، يستحسن أن يكون قرار التعيين فيها مشتركا مع مجلس النواب؛ بل يمكن أن تكون جميع مناصب الفئة العليا بموافقة مجلس النواب. وفي الولايات المتحدة، حيث يوجد فصل قاطع بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، تخضع التعيينات العليا لموافقة الكونغرس. وليس بالضرورة أن تخضع التعيينات عندنا للتصويت العام في مجلس النواب، لكن يمكن أن تكون الحكومة ملزمة بعرض قرارات السلطة التنفيذية من هذا النوع على لجنة نيابية خاصّة بدراسة التعيينات، ومشكلة بصورة تمثيلية جيدة للمجلس، يحق لها الاعتراض إذا كانت لديها أسباب وجيهة بعد جلسة استماع  للحكومة. وإذا لم تقرر اللجنة الاعتراض، تعتبر التعيينات نافذة. وعلى كل حال، يجب وضع آلية مؤسسية للتشاور الذي قال رئيس الوزراء إنه يريده، لكنه لا يعرف كيف يجب أن يتم!

ليس في التعيينات وحدها، بل أيضا في الخطط والبرامج والقرارات يغيب التشاور وتغيب الشراكة التي تطلبها الحكومة فقط حين يكون هناك قرارات صعبة وغير شعبية، مثل رفع الأسعار، تريد لها غطاء من المجلس. لكن في برامج الإصلاح للقطاعات المختلفة، ليس هناك شراكة وتشاور حقيقيان، مع أن لدينا مشاكل عويصة في كل قطاع تتطلب تشاورا، وتكوين موقف وبرنامج يتابع المجلس التزام الحكومة بتنفيذه. وللحقيقة، فإن "المبادرة" النيابية اشتغلت على شيء من هذا القبيل، لكن الأمر تحول إلى صيغة علاقات خاصة لفئة نيابية من وراء ظهر المجلس لا نعرف عنها شيئا. وكان الأصح لهذا الجهد، لو كان يريد تحقيق مبدأ الشراكة، أن يترجم بلقاءات حكومية مع كل لجنة نيابية مختصة، تقدم فيها المبادرات والأفكار المطروحة، ليصار إلى مناقشتها واعتمادها، والتزام الحكومة مؤسسيا بها. 

من المرجح أن الحكومة لا تحب كثيرا ما يلزمها بالتشاور والشراكة، إلا بالحدود التي تجلب بها مجلس النواب كغطاء لما تقرره هي، وفق أولوياتها. والنواب يشكون كثيرا من ذلك، لكنهم لم يفعلوا شيئا لفرض شراكة على برامج إصلاحية وتشريعات يراقبون التزام الحكومة بها؛ بل استمر التعامل بالقطعة وبالفزعة من أجل موضوع أو آخر، وخارج إطار المؤسسية. وكل ما كان يطرح في اللجان غير التشريعات، كان بشأن قضايا طارئة وضاغطة، نتيجة قرارات حكومية مفاجئة، أو احتجاجات شعبية أو مطلبية طارئة. 

هل فات الوقت على وضع صيغة مؤسسية للتشاور والشراكة؟ يمكن أن نفكر في إرساء شيء ما للمجلس المقبل. ثم من قال إن هذه هي الدورة الأخيرة في عمر المجلس؟!

نشر هذا المقال في صحيفة الغد بتاريخ 23/11/2015

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.