الشراكة بين القطاع العام والخاص على طريق الاعتماد على الذات

مثنى حمدان غرايبة
 
مع الكلام المستمر عن الاعتماد على الذات، ومحاولة إيجاد مصادر بديلة لتمويل المشاريع الكبرى في المملكة، تُطرح كثيراً قضية الشراكة بين القطاع الخاص والعام، وهي ربما لا تكون العصا السحرية التي تحل كل مشاكلنا الاقتصادية ولكن بالتأكيد يمكن أن يكون لهذه الشراكة دور كبير في تجاوز التحدّيات وتحقيق النمو الاقتصادي. الهدف المفترض من هذه الشراكة هو الاستفادة من الكفاءات الإدارية والتقنية والقدرات التمويلية لدى القطاع الخاص، وإشراكه في تحمل المخاطر والأرباح، مما يسمح للحكومة التركيز أكثر على وضع السياسات لقطاع البنية الأساسية ومراقبة مقدّمي الخدمات بهدف الارتقاء بها، وهذا يسمح بخلق وظائف أكثر في القطاع الخاص بدلاً من إثقال القطاع العام بالمهمة التي يقوم بها حالياً كونه المشغّل الأكبر في البلاد بما في ذلك من عبء مستمر على الموازنة.
 
علينا أن نتذكّر ونحن نفكّر في كيفية جعل هذه الشراكة مفيدة وفعّالة أن قانون الشراكة كان أحد التوصيات التي خرجت بها لجنة تقييم التخاصية التي قامت بجهد مميز لتقييم تجربية الخصخصة وحصر الأخطاء فيها وسرد النواحي الإيجابية والخروج بتوصيات تسمح لنا بأن لا نكرر هذه الأخطاء.
 
التوصيات الأهم المرتبطة بوضعنا الحالي وموضوع المقال من دون التقليل من أهمية التوصيات الأخرى هي التوصية رقم 4) بخصوص أهمية ربط خيار التوجه نحو مستثمر مالي أو مستثمر استراتيجي بالهدف الأساسي من الخصخصة ورقم 10) المعنية بإنشاء صندوق وطني للمساهمة في تمويل مشاريع البنية التحتية والمرافق العامة، والتوصية 11) المرتبطة بضمان التنافس العادل.
 
طرح الأستاذ فهد الخيطان في مقاله "نريد أسواقاً لا حلفاء" موضوعاً مهمّاً بشكل عام وتزداد أهميته مع زيادة العجز في الميزان التجاري المتواصل وهو ضرورة إيجاد أسواق لزراعتنا وصناعتنا واستثماراتنا، ولكن ربّما يكون من الضروري بشكل موازي النظر في سوقنا الأردني وفي جعله متاحاً أكثر للاستثمار الداخلي وفي إيجاد بدائل محلّية عما نستورده وخصوصاً المنتجات التي تشكل النسبة الكبرى من مستورداتنا. ولا يخفى على أحد أن قطاع الطاقة هو أحد أكبر القطاعات الذي شكّل عبئاً على الموازنة وعلى الميزان التجاري عبر السنوات الماضية. الأردن يستورد 95% من حاجته من الطاقة بما يقارب 1.7 مليار دينار سنوياً، تقريبا 15% من المستوردات حسب أرقام العام 2015 وهذه النسبة في ازدياد مستمر.
 
ما الذي يمنع من الاستفادة من مخرجات لجنة تقييم لجنة التخاصيّة وخلق صندوق استثماري وطني أو شركة مساهمة لإنشاء مشاريع طاقة بديلة لا مركزية في كل محافظة بهدف تخفيض الاستيراد بقيمة 50% )لأن الاعتماد الكلّي يحتاج لتقنيات تخزين ما زالت مكلفة نسبياً) خلال السنوات الثلاث القادمة بدلاً من الهدف المعلن وهو الوصول ل 20% طاقة بديلة في العام 2020!؟ رفع طموحاتنا والعمل على تحقيقها بما يخص الطاقة البديلة يضمن تخفيض الاستيراد بما يقارب ال 800 مليون دينار سنوياً بالأرقام الحالية ويُمَكنّنا من تخفيض كلفة الطاقة والتي تعتبر عامل أساسي في كلفة الإنتاج والتشغيل لكل القطاعات تقريباً. الاستثمار في الطاقة استثمار مضمون وسوق الاستهلاك لا تراجع فيه، وسعر الاستهلاك ثابت أو متزايد لسنوات قادمة بينما كلفة إنتاج الكهرباء من خلال الطاقة الشمسية في تناقص مستمر وهي أقل من كلفة إنتاجها من خلال الوقود الأحفوري اليوم، وطبعا الاستثمار في القطاع يمكن أن يتطور من بناء مشاريع الطاقة الشمسية، إلى بناء مصانع الخلايا الشمسية التي يمكن تصديرها بحكم وجود جزء مهم من المواد الأولية في الأردن.  
 
 
من المعروف أن التحدّي الأكبر الذي يواجه التحوّل إلى الطاقة الشمسية هو توفير التمويل الرأسمالي اللازم لبناء هذه المشاريع، وهذا التمويل يمكن جلبه من خلال تحريك رأس المال الوطني الساكن كودائع في البنوك والذي يصل ل 32 مليار دينار من خلال خلق صندوق استثماري للطاقة، ويمكننا أيضاً فتح المجال لإيجاد فرص لاستثمار للمغتربين في هذا المجال مع زيادة المخاوف حول عودتهم إلى البلاد. أنا لا أتكلم هنا عن تبرّع المواطنين بأموالهم، فليست مسؤوليتهم أن ملف الطاقة تمت إدارته بشكل سيء طوال هذه السنوات، أنا أتكلم هنا عن تحريك المال الساكن ليضمن للمستثمرين أرباحاً وللأردن طاقة أنظف وأرخص، واستقلالاً وأمناً أكبر في ملف الطاقة يعفينا من استيراد الغاز من الإحتلال.
 
كتب ريكاردو هاوسمان أستاذ التنمية الاقتصادية في جامعة هارفارد مقالاً مهما حول موضوع الشراكة بين القطاعين الخاص والعام اسمه إنتاجية الثقة (The Productivity of Trust)  تكلّم فيه عن أهميّة الثقة وكيفية بناءها بشراكة حقيقية تبحث عن مصلحة مشتركة برؤية مشتركة وعن ضرورة وجود مؤسسات تقيس هذه الثقة وأثرها. لحسن الحظ أننا في الأردن لدينا المؤشر الأردني لثقة المستثمر الذي يصدره منتدى الاستراتيجيات الأردني ولكن ما ينقصنا هو أن تصبح هذه الثقة من أولويات الحكومات لتستطيع فعلاً بناء شراكة منتجة مستدامة، تحل مشكلة التمويل للكثير من المشاريع الاستراتيجية، وتحرّك رأس المال الراكد غير الواثق في نتيجة الاستثمار في الأردن، هذه الشراكات ستمكننا من خلق فرص العمل للعدد المتزايد من الخريجين وزيادة النمو الاقتصادي وبالتالي زيادة إيرادات الموازنة وتخفيض العجز وتحقيق الاعتماد على الذات فعلاً. ملف الطاقة هو مثال وليس الملّف الوحيد الذي يمكنا العمل عليه ولكن يمكننا البدء فيه.
 
التنمية الاقتصادية في الأردن اليوم لم تعد تحديّاً تكنولوجيا أو مالياً بقدر ما هي تحدّي سياسات وثقة بيدنا نحن أن نغيّرها وهناك توصيات من لجنة ملكية حولها.
 
 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.