الكلفة السياسية لمكافحة الفساد

الكلفة السياسية لمكافحة الفساد

 

 

 

 

يرفع الأردن شعار مكافحة الفساد منذ عقود حاله حال العديد من الديمقراطيات الناشئة، وكرامة لهذا الهدف عُقدت مؤتمرات وسُنّت قوانين وتأسست هيئات.

الفقه الكلاسيكي يرى أن قانون العقوبات وحده كان كفيلاً بتحقيق الهدف لو اتجهت نية الحكومات فعلاً للقضاء على الفساد، ففيه من البنود ما يكفي لإدانة السارق ومن يستغل وظيفته، فماذا لو أضيفت لقانون العقوبات القوانين الأخرى كقانوني الكسب غير المشروع النزاهة ومكافحة الفساد الأردن، كان الأحرى بنا أن نكون قد قطعنا الشوط الأكبر في اقتلاع الفساد من جذوره بحلول ال2019. 
بعيدا عن تقييم الأردن لجهوده في هذا الملف، التقارير الدولية لا تضعنا في أفضل المراتب، فقد جئنا في المرتبة 49 على مؤشر مدركات الفساد (CPI) من بين 180 دولة شملها للعام 2018، فيما حللنا في الدرجة 58 من 100 على سلم المؤشر، حيث 100 دولة خالية من الفساد، وصفر عالية الفساد.
من جهتها وضعت الحكومة الحالية "مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والنزاهة" في أعلى أولوياتها للاقتراب من دولة القانون، إذ يُشهد لها سرعة إشهار جميع أعضائها لذممهم المالية، كما أعلنت عن عددٍ من الإنجازات تؤكد نيتها التخلص من التركة التي ورثتها، فقامت بتصويب جميع المخالفات الواردة في تقرير ديوان المحاسبة للعام 2017 والبدء بتصويب مخالفات تقرير العام 2018، وهي سابقة على مستوى المخالفات الإدارية والفساد الصغير. 
أيضا تم إقرار نظام الشراء الموحد بالإضافة إلى نظام جديد للتعيين في الوظائف القيادية وقانون معدّل للنزاهة والشفافية ومكافحة الفساد. لكن الإنجاز الأهم الذي أعلنته الحكومة كان في إقرارها القانون المعدل لقانون الكسب غير المشروع وإرساله للنواب نظراً للانتقادات التي طالته سابقاً.
وسّع مشروع القانون المعدّل قاعدة المسؤولين المشمولين بإلزامية تقديم ذممهم المالية هم وأزواجهم وأطفالهم القصّر، كما استحدث دائرة منع الكسب غير المشروع لتحل محل دائرة إشهار الذمة المالية في وزارة العدل.
المؤسف أن نقاط الضعف الأبرز في القانون الأهم الذي يُعوّل عليه للحد من الفساد الحكومي لم تُعالج في مشروع القانون المعدّل، كتباعد المدة الزمنية بين تجديد الذمم المالية وهي سنتين، وعدم إعطاء الدائرة استقلالاً مالياً وادارياً بإبقائها تابعة لوزارة العدل، وتوحيد العقوبات بين المتخلفين عن تزويد الدائرة بذممهم المالية، والأهم الإبقاء على سريّة الذمم المالية التي تلغي إمكانية الرقابة الشعبية وتجع تضخم الذمة المالية لأي مسؤول حكومي طي الكتمان، وحين سئل النواب لدى إقرار القانون منذ سنوات عن الإصرار على السرية أجابوا أن الإعلان عن ممتلكاتهم يضعهم تحت ضغوطات تقديم المساعدات المالية للعائلات والناخبين، وبالتالي فقد رجّح المشرع مصلحته على المصلحة العامة بالإبقاء على السرية في المرتين، حين تم إقرار القانون للمرة الأولى وحين تم تعديله. 
لكن السؤال الأهم ليس في قدرة القوانين على الحد من الفساد، فهي بلا شك قادرة على تحقيق هذا الهدف، بل عن الكلفة السياسية الحقيقية لمكافحته، وهو غير منفصل عن سؤال المواطنة، سيما مع تكرر حوادث "فزعة" العشائر لمن يُعتقل أو يُتهم من أبنائها. 
كثير من المتهمين وجدوا من يدافع عنهم، من يقفل شوارعاً رئيسية كرامةً لهم، من يصدر بياناتٍ نارية ويهدد بلغة تتخفف من المواطنة لصالح مرجعية أقدم وهي العشيرة، لعل العائق الأكبر أمام اقتلاع الفساد من جذوره هو غياب العدالة الاجتماعية بمعناها القانوني الذي يفضي للمساواة بين الجميع، ولعل كلمة السر التي لا تكتمل الشفافية والنزاهة بدونها هي المواطنة.

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.