تدريب المجتمعات على الفهم

ابراهيم غرايبة

نشرت وسائل إعلام، أول من أمس، خبرا عن عقد ندوة حول الرجولة والأنوثة، قدمتها سيدة، وصفت بالإضافة إلى اسمها بأنها المدربة الدولية المعتمدة في التنمية البشرية والاختصاصية النفسية والاجتماعية والباحثة. واشتملت الندوة على محاور عدة، أبرزها: حفر في مفهومي الرجل والمرأة والتقابلية في الوعي المنطقي والتذاوت في الإدراك العاطفي وفق أنماط الشخصية وأنظمتها التماثلية. كما تضمنت أنشطة تدريبية تطبيقية تعبيرية للجهاز المفاهيمي والاصطلاحي لتلك المحاور، كذلك محاورات تقاربية مع الحضور الذي أبدى استجابة عميقة لمحاور المحاضرة.

وقبل عدة سنوات، شاركت في دورة تدريبية عن الإسلام والديمقراطية، بتمويل من منحة أميركية لتكريس ونشر الديمقراطية في الشرق الأوسط عقدت في أحد فنادق البحر الميت، شارك فيها حوالي عشرة أشخاص من الأردن ومصر، من بينهم رئيسا حزبين سياسيين أحدهما أردني والثاني مصري، وثلاثة أو أربعة أساتذة جامعيين مرموقين ومعروفين في الفكر والتعليم. وكان هناك مشاركون لم أعرف عنهم شيئا، حتى "غوغل" لا يعرفهم. وكان يدربنا أربعة مدربين أميركيين. وقد "تعلمنا" ما هو تعريف الديمقراطية، ووزعت علينا عبارات وشعارات يعرفها تلاميذ الصف الثاني في بوركينا فاسو. كما قمنا بألعاب تدريبية على الديمقراطية (أظن أنها مصممة للأطفال المصابين بمتلازمة "داون")، ووزع علينا كتاب تدريبي بالإنجليزية يبدو واضحا من عباراته وصوره أنه مخصص لتدريب الأطفال. لكننا حظينا بالإضافة إلى المحتوى التدريبي للدورة التدريبية ببرامج أخرى عظيمة، فقد كانت الوجبات الثلاث التي تقدم في الفندق رائعة جدا وذات قيمة غذائية عالية، وكنا في المساء نذهب الى مرافق الفندق نستمتع بالسباحة والساونا والبخار. وأمضينا ثلاث ليال على شاطئ البحر في فصل الربيع المدهش!

عندما تقدم منظمات المجتمع المدني خدماتها التدريبية للمجتمعات والأفراد قبل تشكل هذه المجتمعات وتنظيمها حول أعمالها ومسؤولياتها، فإنها تضع العربة قبل الحصان. ولا تتوقف الكارثة عند تقديم محتوى تدريبي غير ملائم وغير مفيد، ولكن يتحول التدريب العبثي إلى تجارة ومقاولات تقوم على العبث. ويصبح العبث ضروريا ومطلوبا، لأجل أن يتحول التدريب إلى حقيبة سهلة غير مكلفة، وتتحول المعونات والمنح المقدمة للتدريب إلى "بيزنس" فج وطفيلي لا علاقة له بالتدريب ولا المجتمعات. ويكون تغييب المجتمعات وعجزها عن تنظيمها لنفسها ومنعها من العمل والتخطيط للمستقبل بنفسها، مطلبا وهدفا لمنظمات المجتمع المدني نفسها، لأنه وببساطة حين تخطط المجتمعات بنفسها ولنفسها، فإنه يفترض أن تكون هي الشريك المباشر مع الممولين والمانحين، وتقدم منظمات المجتمع المدني خدماتها التدريبية كما حددتها المجتمعات وبتمويل وولاية من المجتمعات نفسها. ويكون على المنظمات أن تقدم خدمات حقيقية يمكن قياسها وتقويمها من قبل المستفيدين أنفسهم، وتفقد مزاياها المقاولاتية والوصائية لأن التمويل والموارد يفترض أن تكون لدى المجتمعات وليس المنظمات، والتي تحول معظمها بفعل "البزنس" والتمويل إلى مؤسسات فردية او شللية تقدم خدمات وهمية تغطيها بقدر من الترفيه لرشوة المستفيدين واكتساب سكوتهم وتواطئهم. 

المجتمعات هي التي تحدد احتياجاتها التدريبية بناء على تجمعها وتشكلها المستقل والعملي لإدارة وتنظيم احتياجاتها وأولوياتها. يبدأ الناس أولا بالتشكل والتجمع حول مسؤولياتهم وأولوياتهم؛ التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والنقل والثقافة والرياضة والاستهلاك، والماء والطاقة. وفي ذلك يحددون مشكلاتهم واحتياجاتهم التنظيمية، والمهارات والموارد اللازمة ثم يسعون لتوفيرها. 

وكما قلت في مقال أمس، فإن الأمثلة الصحيحة المخالفة لهذه المقولة لا تكفي للردّ على الملاحظة الواضحة والدامغة بضعف المجتمعات وعدم قدرتها على العمل والتأثير برغم المنح الكبيرة جدا، والتي قدمت لمنظمات المجتمع المدني لأجل مجتمعات مستقلة ومؤثرة.

نشر المقال في صحيفة الغد بتاريخ 14/1/2016

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.