عام واحد قبل الانتخابات البرلمانية عام الامتحان

عام واحد قبل الانتخابات البرلمانية عام الامتحان

 

صارت دعوة الحكومات إلى حوار وطني حول قانوني الأحزاب والانتخابات تبدو كحدث شبه دوري في الأردن، وكأننا أدمنّا على عدم الاستقرار القانوني سواء في التشريعات الاقتصادية أو السياسية.

لكن وعلى الرغم من هذا التكرار إلا أن استمرار المحاولة للوصول لقانونين عصريين يعكسان تمثيلا حقيقيا للنسب السياسية لوحده باعث على التفاؤل، إذ يبدو أن بيننا من لم يفقد الأمل بعد. 

في كل مرة يدخل فيها هذين القانونين مرحلة الدراسة والحوار تخرج الأصوات والشعارات المعروفة التي تحذر من التوجهات الديمقراطية بنفس الجمل المعروفة وبنفس الحجج المعروفة لتجعل منهما قانونين غير خطيرين إن جاز التعبير على مراكز القوى السياسية التقليدية المعروفة، من مرافعة التوطين إلى بكائية ظلم المواطنين في الأطراف إلى ديباجة الاملاءات الخارجية.

فإن نجيا - أي القانونين- من الحسابات الأمنية لن ينجيا من الحسابات السياسية الحكومية، وإن نجيا من الاثنين لن ينجيا من أقلام اللجنة القانونية في النواب، فإن نجيا من كل ما سبق فلحظة التصويت قادرة دائما على مفاجأة الجميع وإعادة الأمور إلى السكة القديمة.

هكذا وفي كل مرة تبتعد المسافة أكثر فأكثر بين الشعار والقانون، بين الحلم الديمقراطي والواقع، وتتم تعبئة عقول الناس من قبل نوابهم بأن خسارتهم كممثلين لهم في البرلمان تعني خسارة الواسطات والخدمات والوظائف والمنح والاعفاءات التي يعتاش النواب عليها لحصد الأصوات.

لكن ماذا لو كانت القوائم على مستوى الوطن وليس الدوائر الانتخابية؟ أي نائب حينها سيستطيع إقناع كل الأردن بأن خسارته تساوي خسارة البلد كلها للوظائف والخدمات؟ وماذا لو كان دعم الأحزاب المالي مرتبط طرديا بعدد المقاعد التي يحصدها الحزب في البرلمان؟ من سيستطيع حينها تعليق يافطة على مكتب فارغ وتسميته بالحزب.

في كل مرة تتم فيها الدعوة لحوار وطني حول القانونين يتملك المجتمع المدني نفس الكابوس القديم بأن تكون مشاركته مجرد حضور شكلي الهدف منها شرعنة ما قد كُتب بالفعل ليخرج تحت مسمى توصيات وطنية، وهذا الكابوس لوحده قادر على إطفاء جذوة الحماسة التي يجب أن ترافق جلسات النقاش.

لا أحد يريد أن يُستغل اسمه أو اسم مؤسسته ليضفي مصداقية على سياسات كسب الوقت، هذا يعني أن الدعوة لنقاش القانونين يستحسن أن تبدأ سريعاً لتأخذ عملية النقاش والخلاف ومحاولات العثور على أرضية مشتركة وفرز التوصيات وقتها الكامل وشفافيتها الكاملة، ناهيك عن العملية التشريعية التي يجب ألا تقل بدورها شفافية وديمقراطية عن النقاش.

لكن ماذا لو قامت الحكومة بدورها على أكمل وجه واجتمعت بكل الأطراف على الطاولة وصاغت قانوناً مثالياً للانتخاب وآخراً للأحزاب وضاع كل هذا التعب على عتبات البرلمان؟ من يستطيع أن يضمن ألا يعيد النواب القوانين إلى ما يكفل مصالحهم كما فعلوا سابقا مع قانون التقاعد؟

الحالة المثالية تستدعي أن تخرج مؤسسات المجتمع المدني من نخبويتها والقطبية الثنائية التي تجعل خطابها موجهاً حصراً للحكومة، أن تجرب هذه المرة أن تدخل قطباً ثالثاً للمعادلة اسمه الشعب عبر حملات التوعية والخطاب المتواضع القائم على مصالح الناس البسيطة، بلغتهم وبمفرداتهم وبأولوياتهم، خطاب قادر على نفي الخطاب الآخر المبنى على التخويف والتخوين.

عامٌ واحدٌ يفصلنا عن الانتخابات النيابية القادمة، وهي فترة معقولة وكافية لتجمع مؤسسات المجتمع المدني المؤثرة رؤاها ضمن رؤية واحدة، وهي أيضاً كافية لصنع خطاب موجه للناس حول ما هو المطلوب من القانون ولماذا، وفي المقابل هي فترة كافية للحكومة لتدعو الخصوم السياسيين للجلوس على طاولة واحدة وتدير حواراً مطولاً وناضجاً يؤرخ لمرحلة جديدة تغلق الباب على سياسات كسب الوقت وتقربنا من الحكومات البرلمانية الموعودة. 

هنالك عام واحد فقط أقرب لامتحان نهائي للجميع ليقوموا بأدوارهم دون التحجج بتزمت الآخر ودون الانتظار للحظة الأخيرة، على أحدهم أن يبدأ هذا التحرك الآن.

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.