مقاربة لمشروع قانون الإنتخابات لمجلس النواب لسنة 2015

ناظم النمري*

يشكل قانون الإنتخابات النيابية الخطوة المفصلية في حزمة قوانين التمثيل السياسي؛ فمن ناحية لا بد له أن يتكامل مع قانون الأحزاب، ومع القوانين الناظمة لعمل السلطات الثلاث بشكل يحفظ الفصل و التوازن بينها، وأن يرسخ حالة من تقاسم المهام مع قانون البلديات والقوانين التي تؤسس لحكم محلي، و من ناحية أخرى يشكل مجلس النواب، من المنظور الدستوري الحالي، الغرفة الأساسية لمجلس الأمة حيث الشعب مصدر السلطات ومانح الشرعية للحكومات، وبالتالي فإن وجود مجلس نواب يمثل الأردنيين سياسياً ومُمَكن يعني بالضرورة تطور باقي التشريعات ومن ضمنها  ما يختص بالتمثيل السياسي.

المشروع الذي تقدمت به الحكومة اليوم لازال بعيداً عن الشكل الأمثل لإنتخاب السلطة التشريعية، ومن الواضح - في المرحلة الحالية- بأن الإرادة السياسية كما التجربة الحزبية لم ينضجا بعد لإقرار تحولات جذرية بمستوى مجلس أمة من غرفتين منتخبتين، ومع ذلك يشكل المشروع إختراقاً نوعياً في القوانين الإنتخابية من خلال تبني التمثيل النسبي؛ أي أنه يحقق التمثيل للغالبية العظمى من الناخبين الممارسين لحقهم الإنتخابي، إنما بنسب متفاوتة، على خلاف القانون الذي حكم الإنتخابات السابقة؛ حيث أعطي التمثيل بالكامل للفائزين بأكبر عدد من الأصوات، وحرم الآخرين من أي تمثيل، بالرغم من أن مجمل أعداد غير الممثلين قد يتجاوز الأعداد التي حظيت بالتمثيل.

في المقابل يمكن تسجيل عدداً من المآخذ الجوهرية على هذا القانون؛

علينا أن نعترف أولاً بأن الأنظمة الديمقراطية تقوم على أحزاب، تطور بدورها برامج تنموية متكاملة بالإستناد إلى فكر سياسي، وتسعى لإقناع المجتمع بهذه البرامج، و تتنافس في عملية تبادل السلطة من أجل تحقيقها، من دون كل ذلك تبقى الديمقراطية حلم يقظة. المشروع المطروح كاد أن يتجاهل الأحزاب بالكامل بدل أن يتكامل معها؛ فلم يشترط الترشح عن طريق قوائم حزبية ولم يخصص لها نسبة من المقاعد ليُمكنها، بل تراجع عن فكرة القائمة الوطنية بالكامل، مع أنها لا تزال تجربة يافعة يعول عليها بأن تفسح المجال لتقديم مشاريع جامعة تتجاوز الحسابات الضيقة، أضف إلى ذلك أنه بالرغم من طرح المشروع لنظام القوائم فقد تبناها مفتوحة وعلى مستوى المحافظة، مما يعطي المجال الأكبر للتحالفات الضيقة بدل الإعلاء من أهمية التنافس من خلال البرامج الإنتخابية؛ أي أن المشروع في حالة إقراره سيحمل مجلس شيوخ للجلوس على مقاعد النواب، كذلك يمكن رصد إنعدام التكامل مع قانون الأحزاب كون المشروع لم يخصص نسباً للحسم حتى يدفع الأحزاب في المستقبل إلى الإنصهار في أطياف فكرية متقاربة، وكان جل ما قدمه للأحزاب في اللحظات الأخيرة هو السماح بأن تحمل القائمة نفس الأسم والشعار في أكثر من دائرة إنتخابية.

طرح مشروع القانون مبدأ أعلى البواقي في إنجاح من لم يحصل على الحصة الازمة للتأهل في الإحتساب الأول للأصوات، وهذا مبدأ ثبتت عدم عدالته من ناحية التمثيل الديموغرفي من خلال تجربة القائمة الوطنية في الإنتخابات الماضية؛ إذ قد يسمح بوجود فوارق كبيرة في التأهل للفوز بالمقعد الوحد، بالرغم من تصغير الدائرة الإنتخابية في المشروع الحالي. فعلى سبيل المثال إن حصلت قائمة على 21 ألف صوت، وأخرى على ألفي صوت فقط، وتبين في الأحتساب الأول لتقسيم الأصوات على عدد المقاعد أن الحصة اللازمة للفوز بالمقعد الواحد هي 10 آلاف صوت، بسبب كثرة القوائم المتنافسة، فإن القائمة الثانية قد تحصل على مقعد كأعلى البواقي بينما القائمة الأولى سوف تحصل على مقعدين فقط، بالرغم من حصولها على ما يزيد عن عشرة أضعاف أصوات القائمة الثانية. كان من الأجدر إعتماد مبدأ إعادة تقسيم الأصوات على عدد المقاعد حتى الوصول إلى أقرب عدد يؤهل للفوز بالمقعد الواحد، إذ يشكل ذلك السبيل الأمثل للعدالة في التمثيل الديموغرافي.

تركَ القانون معايير عدالة التمثيل الجغرافي والتنموي لنظام سوف تصدره السلطة التنفيذية، والذي سيحدد أعداد المقاعد وتقسيمات الدوائر في المحافظات الكبرى، وهذا يشكل ثغرة جسيمة في المشروع؛ فهو من ناحية مخالفة دستورية إذ يمس بمبدأ الفصل بين السلطات من خلال فتح المجال للسلطة التنفيذية بالتدخل في عدالة تمثيل السلطة التشريعية، و من ناحية أخرى يترك معيارين هامين للتمثيل في حكم المجهول!

لم يقدم المشروع الحد الأدنى مما يمكن قبوله في تمثيل المرأة وهو 30% ،هذا يتناقض مع كل توجهات الدولة الأردنية خلال العقود الماضية، أي أن المشروع ينقض المعاهدات الدولية التي وقعها الأردن في هذا المجال، وينتقص من فكرة التمكين التي ترتكز على أن التمييز الجندري الذي ترسخ خلال قرون طويلة لا يمكن إصلاحه لمجرد إقرار قوانين المساواة دون ممارسة تمييز إيجابي يُمَكن المرأة في كافة نواحي الحياة، فكيف نتوقع بأن تتمكن المرأة ونحن لا زلنا نعاني من تشريعات تنتقص من حقوقها  ومن ضمنها هذا المشروع.

أجرت الحكومة في اللحظات الأخيرة تعديلاً جوهرياً على تمثيل الأقليات الإثنية والدينية بأن إشترطت ترشحهم من خلال القوائم. هذا مخالف لمبدأ الكوتا القائم على إعطاء الفرصة لهذه الأقليات بالرغم من أن تعدادها السكاني قد لا يمكنها من إيصال من يمثل مصالحها إلى قبة البرلمان. إن الترشح على هذه الكوتا من خلال القوائم سوف يسمح بأن يتسلل إلى البرلمان من ينسجم مع الأغلبية وينال رضاها من أبناء الأقليات، والذي قد لا يمثل صوتها كأقلية، لذلك من الأجدر إبقاء الترشح على الكوتات الإثنية والدينية من خلال المقاعد الفردية، كون أن المخصص لأي منها لا يتجاوز المقعد الواحد في الدائرة الإنتخابية الواحدة، على أن يسمح طبعاً لأبناء الأقليات "بحسب المفهوم الحالي للأحوال المدنية" من المشاركة في التنافس العام من خلال القوائم، فهم في هذه الحالة قد ينتخبون لبرامجهم لا لكونهم ممثلين لأقليات إثنية أو دينية.

حالياً لايزال القانون مطروحاَ كمشروع أمام مجلس الأمة، و هذه فرصة للإصلاحين من النواب والأعيان وللمجتمع المدني للعمل على إدخال بعض التعديلات المطلوبة لتطويره، مثل الإبقاء على تجربة القائمة الوطنية، وإقرار بعض التعديلات التي من شأنها الدفع مستقبلاً بإتجاه حياة حزبية، كإقفال القوائم في المحافظات للإعلاء من قيمة البرامج الإنتخابية والإبتعاد عن الشخصنة، وكذلك استبدال نظام أعلى البواقي بآخر أكثر عدالة من ناحية التمثيل الديموغرافي، أيضاً لا بد من إستكمال القانون بتحديد الدوائر الإنتخابية وأعداد المقاعد وعدم ترك ذلك لنظام تقره السلطة التنفيذية، ولا بد من رفع نسبة تمثيل المرأة إلى 30% كحد أدنى، و إعادة تمثيل الأقليات الإثنية والدينية إلى مقاعد منفردة من خارج القوائم.

في النهاية، وبغض النظر عن حجم التحسينات التي قد يتمكن النواب والأعيان الإصلاحيون من إدخالها على القانون، يبقى مشروع الإنتقال إلى النسبية جديراً بالمشاركة الإيجابية من قبل جميع الأطراف، وهي فرصة تاريخية للدفع بقوائم تحمل فكراً إصلاحياً متنوراً لتشكل مثالاً للعمل السياسي البناء، خاصةً في الدوائر الإنتخابية التي تملك إرثاً من ثقافة العمل السياسي. هذه مسؤولية تاريخية يضعها هذا القانون في عهدة النخب السياسية و الفكرية لتقف على مفترق طرق، فإن هي تقاعست عن دورها في المجتمع وتركت الساحة للمشاريع الضيقة خسرت ثقة جمهورها لعقود قادمة، وإن مارست دورها بإيجابية وأظهرت نزعتها للإصلاح وقبولها بطبيعته المتدرجة لم تُفوّت الفرصة على جمهورها للتعبير عن طموحاته.

*عضو مؤسس في منصة تقدم

 

  

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.