نساء ونصف

تظاهرة للحركة النسائية في المغرب

فهد الخيطان

تونس هي الاستثناء العربي فيما يخص حقوق النساء. والفضل في ذلك يعود إلى الرئيس الحبيب بورقيبة، الذي منح المرأة حقوقا مساوية للرجل. وحين أطلقت تونس شرارة "الربيع العربي"، كانت النساء التونسيات في الطليعة. ودافعن بشراسة عن قيم الإصلاح والديمقراطية، عندما حاولت قوى متشددة التعدي على حقوق النساء، والعودة بالدستور إلى الوراء.

رغم ذلك، تشكو نساء تونس اليوم من التهميش، وعدم تكافؤ الفرص، وفقدان حقوقهن المكتسبة، في ظل تنامي نفوذ الجماعات المتشددة. ولهذا أطلقت جمعيات ومنظمات نسائية، وناشطات حقوقيات، حملة تحت شعار "نساء بلادي نساء ونصف".

يكفل الدستور التونسي مبدأ التناصف بين الرجال والنساء في الحقوق. لكن في التطبيق، لا تنال النساء فرصا تعادل حجم حضورهن في الحياة العامة. واللافت أن التونسيات، وبعد عقود طويلة من الحرية والمساواة، يطالبن بـ"كوتا" في قانون البلديات، لا تقل عن ثلاثين بالمائة من المقاعد.

لن يكتب النجاح لأي ديمقراطية ناشئة، ما لم يكن للنساء حقوق وحصص مساوية للرجال. وليس هناك من وسيلة ناجعة لمحاربة التطرف والتشدد في المجتمعات، أفضل من منح النساء دورا كاملا في الحياة العامة.
معركة الديمقراطية والتقدم تدور فعليا حول دور النساء في الحياة العامة. والتنمية الاقتصادية والاجتماعية ستبقى هدفا بعيد المنال، ما لم تشارك النساء فيها على قدم المساواة مع الرجال.

النساء هن السلاح الأمضى في الحرب على التطرف. حضورهن في الحياة، يشل قدرة المتطرفين على التعبئة والحشد؛ وغيابهن يفسح الطريق لثقافة التخلف.
عندما تتمتع النساء بقيم الحرية وحق الاختيار والعمل والمساواة في الحقوق الاجتماعية والسياسية، فمعنى ذلك أنهن تلقائيا في المعسكر المناوئ لمعسكر التشدد الذي لا يطيق أنصاره رؤية امرأة تسير وحدها في الشارع، أو تجلس إلى جانب أحدهم في الطائرة.

سيرد البعض بالقول: "إن النساء في الأردن يتمتعن بحقوق كثيرة". ربما، لكنها ليست كاملة؛ فثمة حقوق كثيرة ما تزال مهضومة. غير أن الأهم من ذلك هو منح النساء حصة أكبر في مؤسسات السياسة والاقتصاد والمجتمع بشقيه العام والخاص.

لا يمكن انتظار التحولات الثقافية والاجتماعية التي تجعل من المساواة ثقافة سائدة. على العكس؛ ينبغي التعجيل بهذه التحولات عبر آلية التمييز الإيجابي للنساء، والدفع بهن إلى مراكز صناعة القرار.

ما الذي يحول اليوم دون تولي سيدة رئاسة الحكومة، أو رئاسة الديوان الملكي؟ ولماذا تقتصر مشاركة المرأة في الحكومة على الوزارات الأقل أهمية، وتغيب عن وزارات سيادية؟ سيدة واحدة تولت من قبل رئاسة جامعة، مع أن عدد الطالبات في الجامعات يفوق عدد الطلاب. تخيلوا لو أن سيدة تتولى وزارة التربية والتعليم، هل يمكن أن تقبل بمناهج تحط من مكانة المرأة؟

لكن النساء الأردنيات مقصرات بحق أنفسهن. لا ينبغي أن يقبلن بدور "الخزان الانتخابي" للرجال. وعليهن أن لا يصوتن لقوائم في الانتخابات المقبلة، لا تتمثل فيها النساء بنصف مقاعد القائمة.

الانحياز للجنس هو الذي يفتح الطريق للمساواة، والتي من دونها تغدو الديمقراطية مجرد عملية فنية؛ بلا مضمون اجتماعي واقتصادي.
نساء؟ لا يكفي، "نساء ونصف" هو الرد العملي على ثقافة التطرف التي تجتاح المنطقة، وأول ضحاياها النساء.

نشر هذا المقال في صحيفة الغد بتاريخ 29/9/2015 

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.