٤ سنوات من تقدَّم": سهم أخضر باتجاه أردن مدني ديمقراطي

د. ناظم النمري

 

كان الخروج من قانون الصوت الواحد وإعتماد النسبية والقوائم التي تتبنى مشاريع سياسية جامعة مطلباً للقوى المدنية الديمقراطية والليبيرالية، وكانت الفئات المستفيدة من الركود السياسي خلال العقدين الماضيين تشكل قوى شد عكسي يمنع المجتمع الأردني من الخروج من جرف الصوت الواحد، هذا الحال جر على بلدنا الكثير من الويلات في شتى مناحي الحياة، إذ أفرغ الحياة السياسية من المشاريع التنموية و أطر المجتمع بناءاً على المصالح الضيقة والقصيرة، وشهدت المرحلة تراجعاً ملموساً في الحريات العامة، أما إجتماعياً فقد دفع الناس نحو منظومة قيم هدامة قوامها التعصب الفئوي والمحسوبية كواسطة لحصول المواطن على إحتياجاته الحياتية، كذلك كانت نتائجه الإقتصادية كارثية؛ فقد غيب الإنتاجية لصالح الريعية التي راكمت 25 مليار دينار أرني من الديون، وكان لابد أن ينعكس ذلك على منظومة الخدمات؛ فتراجع التعليم، وكذلك الخدمات الصحية، وتقهقرت منظومة النقل العام، حتى بات المواطن الأردني يشعر بأنه يعيش بمعزل عن الدولة.أمام كل هذه التراكمات أصبح التغير حتمية، لأن مقاومته بالمطلق تعني الإنتحار الجماعي.

 لقد طالبنا في "تقدّم"- ومنذ إنطلاقة المنصة قبل أربعة سنوات- بقوانين تمثيل سياسي تحقق أكبر قدر من عدالة التمثيل؛ سواء على المستوى المحلي في البلديات، أو على المستوى الوطني في السلطة التشريعية؛ كان ذلك واضحاً في وثيقتنا التي شكلت رسالة ورؤيا المنصة للأردن الذي نريد، ثم حاولنا البناء على تجربة القائمة الوطنية في الإنتخابات النيابية السابقة، أملاً في أن تشكل نواة لأطايف فكرية تطرح برامج سياسية جامعة على المستوى الوطني، كذلك سعينا مع مجموعة من قادة الرأي لإحاث تغير على قانون البلديات قبيل الإنتخابات البلدية الأخيرة بهدف السير نحو الإرتقاء بها لتصبح شكلاً متقدماً من الحكم المحلي.

رحبنا في "تقدم" بالخروج من قانون الصوت الواحد، ورغم مآخذنا الكثيرة على القانون الجديد؛ كونه لم يعتمد الأردن دائرة واحدة، ولم يعتمد القائمة المغلقة التي تعلي من شأن البرامج الإنتخابية، ولم ينصف المرأة، وتجاهل الأحزاب السياسية وأعتمد نظام أعلى البواقي الذي كان المسؤول الأول عن إفشال تجربة القائمة الوطنية، كما أنه جرد الأقليات من كوتاتها بحيث أصبحت الأكثرية العددية تختار للأقليات من يمثلها، إلا أننا نظرنا لإقرار النسبية من خلال نظام القوائم لحظة فاصلة في تاريخ الأردن السياسي تستدعي التعامل معها بإيجابية من خلال لإستفادة منها كنافذة للوصول لتمثيل سياسي أكثر عدالة يقوم على أحزاب وطنية فاعلة، لعل هذه الحقيقة هي ما حذا بمختلف تلاوين الطيف السياسي الأردني للمشاركة في نهاية المطاف بعد عقود من المقاطعة.

إنسجاما مع رسالتنا في تشكيل تيار مدني أردني، و قراءتنا للمشهد المحلي، شعرنا بأن مسؤليتنا تقتضي التحرك لحث القوى المدنية في المجتمع الأردني على التنسيق فيما بينها للخروج بقوائم مقنعة لناخب فقد الأمل بالتغير خلال العقود العرفية وعقود الصوت الواحد، كذلك تمثل التحدي في رسم أفق واقعي للتغير في مخيلة الناخبين عبر رفع مستوى الحوار السياسي في موسم الإنتخابات، وللإرتقاء لمستوى هذه التحديات أقمنا فعالية حوارية تحت عنوان أين الصوت المدني في إنتخابات 2016، ثم قمنا بتطوير برنامج موسع من سبعة محاور للإنتقال لدولة مدنية من خلال؛ قانون انتخاب لسلطة تشريعية تتكون من غرفتين منتخبتين يتم الترشح لهما عبر أحزاب، إذ لا توجد ديمقراطية دون أحزاب، ومن خلال حكم محلي يحقق تنمية على كامل مساحة الوطن، عن طريق توسيع صلاحية البلديات مع زيادة إيراداتها، ولأننا نؤمن بأن الثقافة ليست ترفا أو كماليات بل حجر أساس في صياغة خيال مبدع قادر على الإضافة للحضارة الإنسانية، نتبنى تشريعات تحتفي بالتنوع، وتنفتح على الآخر، وتعزز الانسجام مع مخزوننا الحضاري دون تقوقع في العصبيات، كما نتبنى قوانين تنأى بنا عن التعليم بالتلقين لتؤسس لتعلّم مبدع يقوم على التعلم الذاتي والعمل الجماعي والتفكير النقدي والقدرة على الإستفادة من المعلومات، لأننا نؤمن بأن النظام التعليمي هو وسيلة الإستثمار في أجيال االمستقبل نحو مواطنة صالحة من رياض الأطفال وحتى التخرج، ولأن التعليم الجامعي والمهني رافعتان أساسيتان للنهضة، نريد تشريعات تضمن استقلالية عالية لمؤسسات التعليم العالي تعزز تنوعها وتمايزها من خالل ارتباطها بمختلف احتياجات المجتمع، وإنطلاقاً من إيماننا في "تقدّم" بفكرة المواطنة وبأن الأردنيين جميعا مواطنون من الدرجة االأولى، لم نقبل بمواطنة منقوصة لأحد في كل التشريعات؛ ابتداء من الدستور وحتى منظومة الأحوال المدنية، كذلك إنطلاقاً من قناعاتنا بدولة القانون، و بتلازم السلطة والمسؤولية، وبأن وظيفة الحكومة النهوض بالتنمية وليس التستر على البطالة، نطرح حزمة إصلاحات تضمن حكومة رشيقة ومنتجة وصاحبة ولاية مساءلة أمام السلطة التشر يعية في ظل الفصل بين السلطات،و تعتمد الكفاءة كمعيار في التوظيف،  ولأن الأردن لا يستطيع الإستمرار بمديونيته الحالية، نريد التحول إلى اقتصاد منتج، حيث تؤسس قوانين الإستثمار لشراكة مع القطاع الخاص، وتضمن قوانين الضريبة توزيع المسؤولية الإجتماعية بنسب تصاعدية من دخل كافة المواطنين، لنصل إلى علاقة صحية قوامها المواطن دافع الضرائب القادر على محاسبة السلطة، ومن إدراكنا بأن ثورة المعلوماتية باتت واقع يرسم شكل المستقبل، نسعى للمحافظة على مكاسب الأردن في هذا المضمار، ونحو مزيد من التشريعات العصرية ترفع السقوف عن حق الحصول على المعلومة، وتؤسس لحيادية شبكة المعلومات، وتشجع الإستثمار في هذا القطاع بكافة تنوعاته، على أن يتم كل هذا البرنامج تحت مظلة اقتصاد أخضر، يدير مواردنا بشكل يراعي الأثر البيئي، وينشيء فرص عمل تعزز الإستدامة البيئية، فبغير ذلك تتحول التنمية إلى شكل من الإختلاس من المستقبل.

تم إطلاقه برنامجنا من خلال حملة السهم الأخضر التي واكبت موسم الدعاية الإنتخابية، حيث دعونا من خلالها المجتمع وخاصة الشباب للمشاركة الإيجابية و بكثافة في الاقتراع لتحقيق أكبر قدر من عدالة التمثيل، كما دعوناهم للإختيار بناءً على البرامج المطروحة، وللتأكد من مصداقية المرشحين عبر سؤالهم عن خططهم لمعالجة القضايا الملحة كالتوظيف و التعليم والنقل والحريات العامة.

اليوم عشية الإستحقاق الإنتخابي، وبعد أن إرتسمت صورة المنافسة -في كثير من الدوائر- بين تيارات متمسكة بمقاومة التغيير ومعه التطور في تحالف مع تفكير ماضوي، مقابل تيار مدني أردني بإمتياز، يقف بكل وضوح وجرءة للمطالبة بدولة مدنية، مستنداً إلى برامج كفيلة بإيضاح توجهاته وعدم السماح بشيطنة مفاهيمه، أصبح من واجب كل يحمل هذا الفكر أن يقف وبكل وضوح إلى جانب القوائم التي تتبنى طرح الدولة المدنية على مساحة الوطن في الكثير من الدوائر، فهذه لحظة حاسمة في التأثير لصناعة فرق جوهري ينعكس على مستقبل أجيالنا، ولا تحتمل التردد أو التقاعس، فالدولة المدنية لا تقوم إلا بإرادة الشعوب التواقة للتقدم.

التعليقات

محتويات هذا الحقل سرية ولن تظهر للآخرين.